بكر عبداللطيف الهبوب
لم تكن مدينة طروادة تدرك أن الهدية التي أُدخلت أسوارها، بكل ما حملته من مظهر احتفالي، كانت تخفي في جوفها بذور الانهيار. وعلى نحو مشابه، قد تدخل إلى الاقتصادات الحديثة طفرات استثمارية ضخمة تبدو في ظاهرها عنوانًا للنهضة، لكنها تحمل في داخلها تسربًا هادئًا للأثر الاقتصادي. فلا تفشل الاقتصادات لأنها أنفقت كثيرًا، بل لأنها لم تطلب مقابلًا كافيًا من إنفاقها. فالإنفاق، مهما بلغ حجمه، لا يتحول تلقائيًا إلى تنمية مستدامة ما لم يُدار بسياسات تحوّله إلى قدرة باقية.
كثير من النقاش الاقتصادي يركز على حجم البرامج والموازنات، لكنه يغفل البعد المؤسسي للأثر. فالاستثمار قد يتحول، من حيث لا يُقصد، إلى قناة تسرب إذا غابت الحوكمة التي تربط القرار المالي بالتنفيذ والمساءلة. الأثر لا يتولد من الصرف ذاته، بل من الطريقة التي يُتخذ بها القرار، ومن محاسبة الأداء على أساس القيمة المتحققة لا سرعة الإنجاز. ولهذا، نجحت الدول التي بنت مؤسسات تقييم مستقلة وقواعد شفافة في تحويل الحوافز إلى نتائج قابلة للقياس، فيما تعثرت دول أخرى رغم وفرة الموارد.
ويبدأ الأثر الاقتصادي الحقيقي من سوق العمل. فقد ركزَّت دول عديدة على خلق وظائف سريعة، لكنها أغفلت نوعيتها ومستوى القيمة المضافة فيها، فارتفعت التحويلات المالية للخارج وبقيت الوظائف المعرفية العليا خارج السيطرة الوطنية. في المقابل، تعاملت دول مثل كوريا الجنوبية مع سوق العمل كجزء من السياسة الصناعية، فاستثمرت في المهارات الهندسية والتقنية والإدارية، وربطت التعليم بالإنتاج، لتصبح العمالة الوطنية عنصرًا من عناصر التنافسية لا مجرد مستفيد من النمو.
ويمتد الأثر إلى المنظومة المالية، حيث يشكل الاعتماد على التمويل والتأمين وإعادة التأمين الخارجي أحد أبرز مسارات التسرب الصامت. تجارب فاشلة عديدة أظهرت أن إنفاقًا ضخمًا قد يقود إلى نمو هش إذا خرجت عوائده على شكل أرباح وفوائد إلى الخارج. نيجيريا مثالٌ واضح، موارد كبيرة وإنفاق واسع، لكن منظومة مالية محلية محدودة قلّصت الأثر الداخلي للنمو. وعلى النقيض، بنت دول مثل النرويج وماليزيا أنظمة مالية وطنية مكّنتها من الاحتفاظ بالقيمة داخل الاقتصاد وتحويل الإنفاق إلى دورة مالية داعمة للاستقرار طويل الأجل.
ويظهر الفرق ذاته في كيفية التعامل مع الشركات الأجنبية. فالدول التي فتحت أسواقها دون اشتراط نقل المعرفة وبناء الموردين المحليين اكتفت باستضافة النشاط دون امتلاكه. أما النرويج، فقد فرضت منذ وقت مبكر شروطًا واضحة على الشركات العاملة في قطاعاتها الحيوية، تلزمها بنقل التقنية وتطوير الشركاء المحليين، ما جعل الاستثمار الأجنبي أداة لبناء القدرة لا مجرد تنفيذ مشاريع.
وتكشف السياسات الصناعية بوضوح عن الفرق بين الاستثمار في النمو والاستثمار في الأثر. فالدعم غير المشروط قد يتحول إلى ريع دائم، بينما يتحول الدعم المشروط بالتنافسية والتصدير إلى أداة بناء. تجربة كوريا الجنوبية مثال بارز، حيث كان الدعم مؤقتًا ومربوطًا بالقدرة على المنافسة عالميًا، ومن أخفق خسر الحماية مهما كان حجمه في السوق المحلية. ويرتبط بذلك مفهوم المحتوى المحلي وسلاسل القيمة.
فالمحتوى حين يُختزل في نسب شكلية لا يخلق أثرًا حقيقيًا، بينما يتحقق الأثر حين تُبنى القدرة على التحكم في حلقات ذات قيمة عالية من سلسلة الإنتاج. تجارب شرق آسيا توضح كيف يمكن لدولة أن تختار مواقع إستراتيجية في سلاسل القيمة العالمية بدل محاولة تصنيع كل شيء محليًا.
في هذا السياق، تمر السعودية بمرحلة محورية، إذ تعيش طفرة استثمارية غير مسبوقة، بالتوازي مع جهود متصاعدة لتحسين السياسات وتعظيم الأثر الاقتصادي. فبرامج المحتوى المحلي، وتطوير الموردين، ورفع كفاءة سوق العمل، وبناء قاعدة صناعية وتمويلية أكثر نضجًا، تبرز إدراكًا متناميًا بأن قيمة الطفرة لا تُقاس بسرعة الإنجاز وحدها، بل بعمق ما تتركه من قدرة وطنية.
وتبرز الاستثمارات الواسعة في الإنشاءات والبنية التحتية بوصفها مساحة ثرية لهذا التحول، فهي تجمع في آنٍ واحد بين سوق العمل، وسلاسل توريد المواد، والخدمات الاستشارية، والتمويل، بما يجعلها فرصة مضاعفة لتعظيم الأثر الاستثماري إذا ما أُديرت بوعي متكامل، وفي الوقت ذاته مجالًا يتطلب انتباهًا دقيقًا حتى لا يتحول هذا التوسع، دون قصد، إلى مسار لتسرب الأثر الاقتصادي بدلًا من ترسيخه.
ختامًا، لا يُقاس نجاح الاقتصادات بحجم ما تنفقه، بل بما يبقى بعد الإنفاق. فالطفرات التي لا تتحول إلى معرفة وقدرة ومكانة في سلاسل القيمة العالمية قد تدخل كهدية، لكنها تخرج كحصان طروادة.
مستشار قانوني
