ليونيل لوران
نمو الاقتصاد الأوروبي يتراجع والتضخم يرتفع وسط أفق ضبابي لنهاية الصراع في الشرق الأوسط وعودة تدفق الطاقة
الاتحاد الأوروبي يدرس خفض تكاليف الكهرباء عبر وضع سقف لأسعار الغاز
هجوم رأس لفان في قطر يدفع أوروبا للبحث عن بدائل وتقديم دعم بمليارات اليوروهات
فاتورة واردات الطاقة في أوروبا مرشحة لتجاوز 6 مليارات يورو مع استمرار حرب إيران
توقعات بارتفاع معدلات التضخم إلى 3% وهبوط النمو إلى الصفر في منطقة اليورو
الخلاصة
حرب إيران تؤثر سلباً في اقتصاد الاتحاد الأوروبي، مع تراجع النمو وارتفاع التضخم وأسعار الطاقة، بسبب إغلاق مضيق هرمز وهجوم إيران على منشأة غاز في قطر. الاتحاد الأوروبي يسعى لتأمين مصادر بديلة مثل الجزائر، ويواجه تحديات في الاستقلال الطاقي، مع دعوات لتعزيز الطاقة المتجددة والنووية لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
بالنسبة لحلفاء أمريكا في أوروبا، بدأت حرب إيران كأزمة إنسانية واختبار جيوسياسي لحكومات لم تكن راغبة في الانخراط في فوضى لم تسع إليها. لكنها تتحول الآن إلى صدمة فعلية في أسعار الطاقة، تعيد إلى الأذهان تداعيات حرب أوكرانيا في 2022، وآثارها بات من المستحيل تجنبها.
في حين لا يستطيع سوى قليل من الأشخاص التنبؤ فعلياً بمدة الصراع وحدته، على رأسهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فإن نمو الاقتصاد في الاتحاد الأوروبي يذهب في مسار التراجع، بينما يتجه التضخم صوب الارتفاع، وتشتد المنافسة على الطاقة. يبدو أن وعد الاتحاد الأوروبي بتعزيز القدرة التنافسية كان أجوفاً.
مضيق هرمز
أدى الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز من جانب إيران إلى تسليط الضوء على حالة تراخٍ إستراتيجي لدى الولايات المتحدة الأمريكية مثيرة للقلق، لكن التأثير الأكبر يظهر في أماكن أخرى. تعتمد الشركات والمستهلكون في أوروبا على الغاز الطبيعي، ويمر في العادة 20% من الإمدادات العالمية عبر هذا الممر البحري الضيق.
ما يفاقم القلق، الهجوم الانتقامي الذي شنته طهران على منشأة رأس لفان في قطر، التي توفر نحو خُمس إمدادات البلاد من الغاز الطبيعي المسال.
ويتجه قادة الاتحاد الأوروبي حالياً إلى الجزائر لتأمين مصادر بديلة، ويعلنون عن حزم دعم للمستهلكين بمليارات اليوروهات في الداخل. يذكّر ذلك بما حدث في مشهد الطاقة داخل التكتل الموحد عندما بدأت روسيا حربها على أوكرانيا قبل 4 أعوام.
هناك بعض الفروق بالطبع. قفزت أسعار الغاز في أوروبا خلال الأسابيع الأخيرة لكنها لا تزال دون مستوياتها في 2022. كما أن القارة العجوز ليست معتمدة على غاز منطقة الشرق الأوسط كما كانت الحال في اعتمادها على غاز روسيا. ربما تكون أجزاء كبيرة من آسيا في وضع أكثر صعوبة. وهناك أيضاً أمل غير معلن بأن تكون هذه الحرب أقصر بكثير من حرب أوكرانيا.
رغم ذلك، فإن اقتصاد أوروبا أضعف مما كان عليه في 2022، إذ إن الأوضاع المالية لدول أساسية مثل فرنسا، هشة حتى قبل صدمة الطاقة في فبراير الماضي. وتشهد عوائد السندات السيادية ارتفاعاً في التكتل الموحد (وفي بريطانيا) مع توقع عودة التضخم، واضطرار البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة.
مخزون الغاز
في وقت يتجه الاتحاد الأوروبي نحو فصل الربيع، تراجعت مخزونات الغاز لديه بفعل شتاء قاسٍ، وسياسة أقل صرامة في الحفاظ على امتلائها.
وكلما طال أمد صراع إيران، ارتفعت فاتورة واردات الطاقة الأعلى تكلفة إلى أوروبا، والتي قُدرت قبل أسبوع بنحو 6 مليارات يورو (7 مليارات دولار)، كما أن توقعات التضخم وأسعار الفائدة ستضغط على أسعار الأصول والمستهلكين.
النتيجة هي قدر كبير من تدهور آفاق النمو. يُظهر مؤشر "بلومبرغ" اللحظي لتوقعات النمو في منطقة اليورو خلال الربع الأول تراجعاً كبيراً يكاد يكون انهياراً.
وبينما استمعت إلى مجموعة من السيناريوهات من مستثمرين ومصرفيين بشأن كيفية انتهاء هذا الصراع، من تسوية سريعة مع رضوخ ترمب لضغوط الأسواق المالية إلى صراع طويل ومعقد يستدرج وكلاء إيران، يبدو من الآمن حتى الآن افتراض أن التضخم في أوروبا سيرتفع من نحو 2% إلى 3%، في حين يتراجع النمو من نحو 1% إلى 0%.
إذا خرجت إمدادات قطر من الخدمة بشكل طويل، وتعرضت أوروبا التي تحاول تجنب الحرب، لعقوبة عدم حصولها على وصول تفضيلي إلى الغاز الأمريكي، فسيتعين تعديل الأسعار والطلب.
وقال فوك فينه نجوين، خبير الطاقة في معهد "جاك دولور" في باريس: "حتى في سيناريو متفائل للغاية يتوقف فيه القتال خلال أيام، سيظل هناك اضطراب ممتد لفترة طويلة في تدفقات الغاز الطبيعي المسال. وستجد أوروبا نفسها في مواجهة منافسة شديدة من دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والصين على الإمدادات المتاحة".
السؤال المهم هو كيف سيتصرف صناع السياسات، وإلى أي مدى استوعبوا دروس 2022؟.
وفي سيناريو مثالي، ينبغي أن تتحرك البنوك المركزية والحكومات في الاتجاه نفسه، أي تجنّب دورة حادة من رفع أسعار الفائدة قد تخنق النمو، والتركيز بدلاً من ذلك على الاستثمارات طويلة الأجل، لفك ارتباط الاتحاد الأوروبي بالوقود الأحفوري.
وقالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاجارد الأسبوع الماضي: "يجب أن تكون أي استجابات مالية لصدمة أسعار الطاقة مؤقتة وموجهة ومصممة بعناية".
لكن الواقع قد يكون مختلفاً. إذ يتوقع المستثمرون عدة زيادات في أسعار الفائدة العام الجاري من جانب البنوك المركزية القلقة بشأن استقلالها، والتي لا ترغب في تكرار التقليل من شأن التضخم باعتباره ظاهرة عابرة، كما حدث بعد وباء كورونا.
في الوقت نفسه، قد يجد السياسيون صعوبة في عدم الإفراط في تقديم الدعم المالي لفواتير الطاقة، خشية أن يؤدي ارتفاع تكاليف المعيشة إلى دفع الناخبين نحو التيارات الشعبوية.
استقلال الطاقة
على المدى الأطول، يصعب تصور نهاية لتعرض أوروبا لمغامرات أمريكا العسكرية، إلا من خلال التحرك الحاسم نحو الاستقلال في مجال الطاقة. هذا هو "السبيل الوحيد لضمان الأمن"، بحسب ما قاله رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا الأسبوع الماضي.
ويبدو أن الطاقة المتجددة والطاقة النووية تمثلان المسار الواضح للتخلي عن الوقود الأحفوري، وفقاً لنموذجي إسبانيا وفرنسا. قالت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، إن ابتعاد أوروبا عن الطاقة النووية كان "خطأ إستراتيجياً"، وكانت ألمانيا، بلدها الأم، أكبر من ارتكب هذا الخطأ.
لكن كل ذلك يتطلب قيادة وشجاعة ووقتاً ومالاً. من مصادر الأمل ارتفاع التأييد المحلي للسياسيين الذين رفضوا أسلوب ترمب المعتاد في الضغط للانضمام إلى الحرب التي اختار خوضها.
وإدراكاً للعلاقة بين الطاقة والأمن، يدفع إيمانويل ماكرون، رئيس فرنسا، نحو تشكيل تحالف لتأمين مضيق هرمز بمجرد التوصل إلى وقف لإطلاق النار. لكن ذلك يظل في نهاية المطاف معتمداً على حليف أمريكي غير موثوق. في المقابل، تبدو الصين قادرة على التريث بفضل احتياطيات وفيرة من الطاقة وتقدم متزايد في مجال الطاقة المتجددة.
في الواقع، يتعين على الاتحاد الأوروبي أن يحرص على عدم استبدال التبعية في مجال طاقة بتبعية أخرى، في ظل توجهه نحو التقنيات الخضراء التي تهيمن عليها الصين. من بين جميع أوجه العجز التي تظهر في أوروبا اليوم، ربما يكون أكبرها عدم قدرتها على شق مسارها الخاص بها.
كاتب رأي في بلومبرغ متخصص في شؤون الاتحاد الأوروبي وخاصة فرنسا
خاص بـ"بلومبرغ"
