الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 2 يونيو 2026 | 16 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

حتى لا تنازع النجومية الحوكمة الرياضية

عامر الحسيني
عامر الحسيني
الثلاثاء 17 فبراير 2026 12:12 |3 دقائق قراءة

يُعد القطاع الرياضي من أكثر القطاعات تعقيدًا في إدارة الموارد البشرية، ليس بسبب طبيعة المنافسة أو حجم الإنفاق فحسب، بل لأن بعض عناصره تتحول مع الزمن من مجرد ممارسين إلى رموز عامة، يتداخل فيها الأداء الفني مع الرأي العام، وتتقاطع حولها العاطفة مع القرار المؤسسي. وهنا تحديدًا تبدأ إشكالية الحوكمة.

فالنجومية في الرياضة ليست حالة فنية عابرة، بل هي رأسمال رمزي، يُبنى عبر سنوات من الإنجاز، والتفاعل الجماهيري، والتمثيل الوطني. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في صناعة النجم، بل في غياب النموذج المؤسسي لإدارته بعد الذروة؛ حين تتغير الأدوار، وتتراجع النتائج، وتبقى التوقعات مرتفعة، فيتحول النجم من قيمة مضافة إلى عبء على النظام الرياضي، وعلى نفسه في آن واحد.

تعاني بعض الأنظمة الرياضية ربطا مفرطا بين النتائج التنافسية والقيمة المؤسسية للأفراد. فالنجم يُقاس حضوره بقدر ما يحققه داخل الملعب أو على دكة التدريب، دون النظر إلى ما يملكه من خبرة تراكمية، أو قدرة على الإسهام في بناء المنظومة خارج إطار المنافسة المباشرة.

هذه المقاربة تختزل الإنسان في لحظة أداء، وتُنتج عددًا من الاختلالات؛ أبرزها هدر الخبرة، وخلق صدامات نفسية ومهنية، وتحويل القرارات الإدارية إلى ساحة تأويل جماهيري، يُنظر فيها إلى كل إجراء بوصفه مكافأة أو عقوبة، لا باعتباره قرارًا مؤسسيًا محكومًا بمعايير واضحة.

والأخطر من ذلك، أن غياب الحوكمة في هذا الجانب لا يسيء إلى النجم وحده، بل يُضعف النظام الرياضي نفسه، حين يعجز عن استيعاب التحولات الطبيعية في دورة الأداء، ويستبدل التخطيط بردود الفعل.

الحوكمة الرياضية لا تعني إقصاء النجوم عند تراجع الأداء، كما لا تعني تحصينهم من المساءلة أو النقد، بل تعني قبل ذلك إعادة تعريف العلاقة بين الفرد والمنظومة.  فالنجم ليس فوق النظام، لكنه أيضًا ليس عبئًا يجب التخلص منه عند أول تعثر. والفرق الجوهري بين الإدارة التقليدية والحوكمة، أن الأولى تتعامل مع الأشخاص، بينما الثانية تُدير الأدوار. وحين تُدار الأدوار بمعايير مؤسسية، تصبح القرارات أكثر عدالة، وأكثر استقرارًا، وأقل عرضة للتأويل.

في النماذج الرياضية الناضجة، لا يُنظر إلى النجم بوصفه لاعبًا سابقًا فحسب، بل بوصفه أصلًا معرفيًا وثقافيًا يمكن توظيفه في مسارات متعددة، بشرط أن تكون هذه المسارات واضحة، ومقننة، ومفصولة عن نتائج المنافسة المباشرة. إن بناء نموذج حوكمة فعّال في القطاع الرياضي يتطلب الانتقال من إدارة الأسماء إلى إدارة الأدوار، عبر مجموعة من المرتكزات الأساسية:

أولا: الفصل بين المسار الفني والمسار المؤسسي: الأداء الفني بطبيعته متغير، يخضع لعوامل العمر، واللياقة، والظروف التنافسية. أما المسار المؤسسي، فيُفترض أن يُدار بمعايير مختلفة، تُعلي من قيمة الخبرة، والالتزام، والقدرة على نقل المعرفة. ربط المسارين دون فصل واضح يُنتج ظلمًا للطرفين.

ثانيًا: تصميم أدوار انتقالية واضحة: كثير من النجوم يتحولون فجأة من قمة التأثير إلى فراغ الدور. والحل ليس في الإبقاء عليهم في مواقع لا تناسبهم، ولا في إقصائهم الكامل، بل في تصميم أدوار انتقالية، مثل: مستشارين فنيين، أو قادة برامج تطوير، أو سفراء للرياضة، وفق توصيف وظيفي، ومؤشرات أداء، ومدد زمنية محددة.

ثالثا: حوكمة العلاقة لا الشخص: القرارات المتعلقة بالنجوم يجب أن تمر عبر سياسات مكتوبة، ولجان مستقلة، ومعايير شفافة، تضمن أن يكون القرار مؤسسيًا لا انطباعيًا، وتحمي النجم من التسييس، وتحمي الإدارة من الضغوط الجماهيرية والإعلامية.

رابعا: إدارة السمعة كأصل مؤسسي: النجم هو أصل معنوي، وإدارته بعد الذروة يجب أن تكون استثمارًا طويل الأجل، لا معالجة ظرفية لأزمة. فالنظام الذي يحسن إدارة رموزه، يعزز ثقته المجتمعية، ويؤسس لثقافة رياضية أكثر نضجًا واستدامة.

الرياضة، في جوهرها، ليست سباق نتائج فقط، بل منظومة قيم، ونقل خبرات، وبناء أجيال. والحوكمة الحقيقية لا تُقاس بعدد البطولات، بل بقدرة النظام على إدارة التحولات، واستيعاب النجومية، ومنع تحول الرمز إلى عبء أو الإنجاز إلى أزمة؛ وحين تُدار النجومية بعقلية مؤسسية، يصبح النجم شريكًا في البناء لا عبئًا على القرار، وتتحول الرياضة من مسرح لحظات إلى منظومة مستدامة، قادرة على الاستمرار مهما تغيّرت الأسماء وتبدّلت النتائج.

أكاديمي متخصص في الحوكمة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية