الأحد, 27 سبتمبر 2026|14 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

شهدت السوق المالية السعودية خلال الأعوام الماضية موجة كبيرة من الطروحات الأولية. في 2025 وحده بلغت حصيلة الاكتتابات نحو 14.5 مليار ريال، بعد نحو 14.2 مليار في 2024 وهنا بدأت وتيرة التقارب بين الطروحات بعد القفزات القوية لعددها وقيمتها، لكن المشهد تغير خلال 2026، إذ لم تتجاوز قيمة الطروحات في السوق الرئيسية خلال الأشهر الـ8 الأولى نحو 460 مليون ريال. وبين وفرة الطروحات وتراجعها، يبقى السؤال الأهم ليس كم شركة تطرح و تدرج، بل كيف طرحت و أدرجت؟.

هذا السؤال حاضراً في مشروع هيئة السوق المالية الأخير لتحسين ممارسات الطروحات الأولية. فالمقترحات لا تركز على زيادة عدد الاكتتابات، بقدر ما تستهدف جودة المعلومات، وواقعية الطلبات، وكفاءة التسعير، وتوزيع المسؤولية بين المصدر والمستشار المالي ومتعهد التغطية والمستثمر المؤسسي.

أحد أبرز التغييرات المقترحة يتعلق ببناء سجل الأوامر. فالهيئة تقترح أن تعكس طلبات الجهات المشاركة السيولة المتاحة فعلياً، وأن يقتصر التحقق من الملاءة على النقد أو شبه النقد، وأن تصبح الطلبات ملزمة بالسداد في الموعد المحدد. وهذه خطوة مهمة، لأن تغطية الطرح عشرات أو مئات المرات تبدو رقماً جذاباً، لكنها لا تعني الكثير إذا كانت الطلبات تفوق القدرة الحقيقية على تنفيذها. سجل أوامر أصغر وأكثر واقعية قد يخدم في التسعير بشكل أفضل من سجل ضخم لا يعكس الطلب الحقيقي.

لكن جودة الطرح تبدأ قبل ذلك، من الشركة نفسها. الإدراج ليس مجرد فرصة للمساهمين لبيع حصة أو تحقيق أعلى تقييم، بل انتقال إلى علاقة طويلة مع المستثمرين. ولهذا جاء التوجه للإفصاح عن مؤشرات مستقبلية للأداء المالي لمدة لا تقل عن سنة، مبنية على أسس معقولة وقابلة للقياس. فالمستثمر لا يحتاج وعداً بالمستقبل، لكنه يحتاج بيانات تمكنه من تكوين رأي مستقل حوله.

بعدها يأتي دور المصرفية الاستثمارية. مدير الاكتتاب ليس مجرد منفذ للصفقة، ونجاحه لا يقاس بأعلى سعر يستطيع إقناع السوق به. دوره اختبار فرضيات الشركة، وبناء قصة استثمارية واقعية، واستقطاب المستثمرين المناسبين، وتحقيق توازن بين مصلحة البائع والمشتري. لذلك تتجه الهيئة في الاستطلاع والمقترح بأن تصبح اتفاقية التعهد بالتغطية نافذة قبل بناء سجل الأوامر يجعل متعهد التغطية أكثر ارتباطاً بنتيجة قراره،  فمن يشارك في صناعة السعر يجب أن يتحمل جزءاً من مخاطرة.

ولا يقل دور المستثمر المؤسسي أهمية. فالطلب أثناء بناء سجل الأوامر يفترض أن يمثل قراراً استثمارياً حقيقياً تدعمه القدرة على السداد، وليس رقماً مضاعفاً بهدف زيادة فرص التخصيص واستغلال القفزات الأولى للإدراج كلما أصبحت الطلبات أكثر واقعية، أصبحت الدلالة التي يوصلها سجل الأوامر إلى المصدر ومدير الاكتتاب أكثر دقة، وبالتالي تحسنت عملية اكتشاف السعر.

وهنا نصل إلى نقطة كثيراً ما يساء فهمها وهي أن ارتفاع السهم بعد الإدراج ليس دليلاً بذاته على نجاح الاكتتاب، كما أن انخفاضه ليس دليلاً كافياً على فشله. فالأسعار بعد الإدراج تتأثر بالسوق والسيولة والقطاع والفائدة ومعنويات المستثمرين. بل إن الارتفاع الحاد قد يعني أحياناً أن التسعير ترك جزءاً من القيمة على الطاولة والأمثلة هنا كثيره ولو راجعنا الأداء لأغلبية الاكتتابات في نهاية اليوم الثالث بعد الإدراج نجد أنها بالمتوسط ترتفع بـ45% بالمعدل بخلاف حالها اليوم ولو نستذكر سهم مستشفى سليمان الحبيب ظروف إدراجه أنزلت سعر السعر ثم شهدت السوق الفرصة فيه.

المعيار الأكثر نضجاً هو جودة البيانات التي بني عليها القرار، وواقعية سجل الأوامر، ونوعية المستثمرين الذين تم استقطابهم، وكفاءة السعر الذي جمع بين البائع والمشتري، ثم قدرة الشركة لاحقاً على تنفيذ ما قدمته للسوق.

التنظيم يرفع المعايير، لكنه لا يصنع الجودة وحده. الشركة والمصرفي الاستثماري ومدير الاكتتاب والمستثمر جميعهم شركاء فيها. وكلما تحسنت المعلومات، وصدقت الطلبات، وتوافقت الحوافز، أصبحت الطروحات أداة أكثر كفاءة لتخصيص رأس المال. وعندما ترتقي جودة الطروحات، يرتقي معها السوق.

الرئيس التنفيذي للاستثمار BLME

منتدى الاقتصادية 2026