تُعد جرينلاند الجزيرة الأكبر في العالم مساحةً اقتصاداً صغيراً، لكنه يحمل في طياته إمكانات تحول جذري حيث يبلغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للجزيرة نحو 22.9 مليار كرونة دنماركية ما يعادل نحو 3.4 مليار دولار أمريكي مع تقديرات تشير إلى نمو بطيء نسبي بنسبة نحو 1% سنوياً تقريباً.
أما نصيب الفرد من الناتج المحلي فيقترب من مستويات الدول الأوروبية المتوسطة، حيث يُقدر بنحو 37,600 دولار وقد ارتفع بشكل ملحوظ منذ مطلع الألفية بفضل ارتفاع أسعار بعض السلع التصديرية.
هذا الاقتصاد الصغير يرتكز على ركيزتين أساسيتين وهي صيد الأسماك والمأكولات البحرية الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد الخاص. ففي عام 2023 بلغت قيمة صادرات جرينلاند البحرية ما يقارب 5.3 مليار كرونة دنماركية، أي ما يعادل نحو 23% من إجمالي الناتج المحلي وهو ما يوفر غالبية الوظائف في القطاع الخاص ويشكل ما يزيد على 90% من إجمالي الصادرات السلعية، أما الركيزة الثانية فهي الدعم المالي الدنماركي الذي يُعتبر العنصر الأكثر أهمية في استقرار الاقتصاد حيث يتلقى الاقتصاد الجرينلاندي منحة سنوية ثابتة من الحكومة الدنماركية تبلغ نحو 4.1–4.3 مليار كرونة دنماركية سنوياً وهو ما يعادل نحو 600 إلى 630 مليون دولار أمريكي.
هذه المنحة تغطي نحو نصف ميزانية الحكم الذاتي تقريباً، وتوفر خدمات أساسية مجانية مثل التعليم، والصحة، والبنية التحتية الاجتماعية، ما يرفع مستوى المعيشة بشكل ملحوظ رغم ضعف النشاط الاقتصادي الخاص.
القطاعات الأخرى تبقى محدودة للغاية، فالسياحة تمثل نسبة صغيرة غالباً وأقل من 5% من الناتج والزراعة شبه معدومة بسبب المناخ، والصناعة شبه غائبة.
تكمن القيمة الاقتصادية الحقيقية لجرينلاند في مواردها الطبيعية الضخمة التي لم تُستغل تجارياً بعد بشكل واسع بسبب الظروف المناخية القاسية وارتفاع تكاليف اللوجستيات وعدم وجود بنية تحتية كافية.
فالعناصر الأرضية النادرة التي تقدر احتياطيات أكاسيد العناصر الأرضية النادرة بنحو 1.5 مليون طن متري وفقاً لتقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية USGS حتى 2025 هي ما تضع جرينلاند ضمن أكبر 10 دول في العالم من حيث الاحتياطيات المثبتة. بعض التقديرات غير الرسمية تصل إلى 36 مليون طن من العناصر النادرة مجتمعة، كما أن المعادن الأساسية والاستراتيجية الأخرى التي تمتلكها الجزيرة من احتياطيات الزنك والرصاص تعد من أكبر الرواسب غير المطورة في العالم، فاليورانيوم والنحاس والنيكل والجرافيت والذهب، والحديد، وحتى إمكانيات النفط والغاز رغم توقف التراخيص الجديدة بسبب سياسة مناخية هي ثروات في حال استغلالها قد تحول جرينلاند من اقتصاد معتمد على الدعم الخارجي إلى اقتصاد تصديري قوي، خاصة مع الطلب العالمي المتزايد على المعادن الحرجة للتحول الطاقي مثل بطاريات السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح، والإلكترونيات المتقدمة.
لكن لماذا تُثير جرينلاند اهتماماً اقتصادياً استراتيجياً أمريكياً قوياً؟
من منظور اقتصادي بحت، ترى الولايات المتحدة في جرينلاند فرصة لتأمين سلاسل توريد المعادن الحرجة بعيداً عن الهيمنة الصينية التي تسيطر على نحو 60–70% من تكرير العناصر الأرضية النادرة عالمياً. السيطرة على احتياطيات جرينلاند الضخمة حتى لو استغرق الاستخراج عقوداً ستُعطي واشنطن نفوذاً جيوسياسياً اقتصادياً هائلاً في عصر يُعتبر فيه الوصول إلى الزنك، الليثيوم، الجرافيت، والعناصر النادرة مسألة أمن قومي اقتصادي بدرجة أولى.
إضافة إلى ذلك، فإن تكلفة المنحة الدنماركية الحالية نحو 600 مليون دولار سنوياً تبدو زهيدة مقارنة بالقيمة الاستراتيجية المستقبلية للموارد. لو افترضنا أن مشاريع التعدين الكبرى أنتجت في العقود المقبلة إيرادات تصل إلى مليارات الدولارات سنوياً كما حدث في دول أخرى غنية بالمعادن فإن الاستثمار الأولي في البنية التحتية قد يُعتبر مربحاً على المدى الطويل.
جرينلاند اليوم اقتصاد هش يعتمد على الصادرات البحرية والدعم الدنماركي، لكنها تمتلك احتياطيات معدنية تجعلها نظرياً واحدة من أغنى الأراضي في العالم نسبياً إلى عدد سكانها القليل - 56 ألف نسمة، هذا التناقض بين الواقع الاقتصادي الحالي والإمكانات المستقبلية هو الذي يجعلها محط أنظار استراتيجي اقتصادي عالمي، وعلى رأسه الولايات المتحدة التي ترى فيها مفتاحاً لتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الآسيوية في عصر المعادن الحرجة.
خبير استراتيجي في شؤون الطاقة
