كيانات عملاقة وجدت لاستثمار فوائض الثروات وحفظها للأجيال القادمة، ولكن توالي الصدمات حولها لجدار حماية وحائط صد يقدم الدعم للميزانية والأسواق. هكذا تحولت الصناديق السيادية منذ وباء كورونا وحتى يومنا، فأهميتها لم تعد مقتصرة على إدارة المحافظ الاستثمارية وتنويع المخاطر بين أسواق الأسهم والسندات والملكية الخاصة والعقارات. ولكن أداة إستراتيجية وفعالة لتعويض العجز في الإيرادات الحكومية، وخدمة المصالح القومية، وقيادة التحالفات والشراكات الدولية، ووسيلة ضغط لتحقيق مكاسب اقتصادية وجيوسياسية. رغم حداثة تأسيسها إلا أنه بحلول 2026 باتت الصناديق السيادية تتحكم في أصول تتجاوز 15 تريليون دولار، ما جعلها منافس شرس لمؤسسات تقليدية عريقة مثل صناديق التقاعد والبنوك وشركات التأمين.
النمو السريع في حجم الأصول عزز دورها وتأثيرها في الأسواق العالمية، على سبيل المثال يستحوذ صندوق الثروة السيادي النرويجي الذي يتجاوز أصوله 2.4 تريليون دولار على نحو 1.5% من إجمالي أسهم الشركات المدرجة في جميع أنحاء العالم. دون التطرق لتأثير صناديق الثروة التريليونية الممتدة من الخليج العربي إلى العواصم الآسيوية.
الصعود القوي للصناديق جاء بفضل سياسات حكومية مرنة عززت من استقلالية وحوكمة الصناديق، والاعتماد على أفضل الكفاءات في بناء منظومة لرصد فرص الاستثمار التي تدر أعلى العوائد، سواء كانت داخل الاقتصاد الوطني أو في الأسواق العالمية، بما يتماشى مع أجندات التنمية المحلية ومبادئ الحفاظ على الثروة للأجيال المقبلة.
وقد نجحت الصناديق في تحقيق الهدف، بفضل تنوع المحافظ الاستثمارية والنمو في قطاعات حيوية مثل التكنولوجيا، بجانب ارتفاع عوائد السندات في السنوات الأخيرة والتي تشكل جزءا مهما من محفظة الصناديق.
في ظل مخاطر عالمية متصاعدة سواء مالية أو جيوسياسية أو تجارية، وإعادة لتوجيه رؤوس الأموال لتخدم الأجندات الوطنية. فقد بدأت الصناديق السيادية إعادة ترتيب أولوياتها ومحافظها الاستثمارية وفقاً لخط الجغرافيا السياسية والأهداف الاقتصادية المرسومة. فمن تضررت موازنته يحتاج إلى بيع أصول لتغطية الفجوة التمويلية وتوفير السيولة لدعم الاحتياجات الأساسية والسيطرة على التضخم. ومن يراهن على تنمية قطاعات حيوية محلية، يحتاج إلى أصول وشراكات وخبرات الصندوق في قيادة الاستثمار والابتكار في القطاع الخاص المحلي، ومن يرى مخاطر تتنامى في سوق تحتاج إلى إعادة بناء محفظته بهدف التنويع والتحوط، ومنهم من لديه توجهات جيوسياسية تستدعى التخارج من أسواق محددة دون النظر للفرص أو العوائد.
ولكن استمرار هذه التحركات قد يؤثر في عمل الصناديق السيادية، فالاستقلالية والحوكمة كانت جوهر تحقيق الصناديق نجاح ملحوظ في العقدين الأخيرين. وقد يؤدي فقدان هذه الخصائص إلى تأثير مباشر في كفاءة القرارات وتفويت فرص استثمارية واعدة، كما قد يؤدي الاعتماد المفرط على السحب من الصناديق إلى تآكل الأصول وانخفاض العوائد والتأثير على حقوق الأجيال المستقبلية.
لذلك من المهم التأكيد أن هذه الظروف مؤقتة ومحكومة بصدمات مفاجئة وغير متوقعة تنتهي بزوالها.
في السعودية يسهم صندوق الاستثمارات العامة في قيادة خطط السعودية للتنويع الاقتصادي. فمنذ إطلاق رؤية 2030 اضطلع الصندوق بدور ريادي في دعم أهداف الرؤية وتمكين القطاع الخاص، سواء بشكل مباشر عن طريق الاستثمار وإنشاء شركات تعمل في قطاعات ذات أولوية مثل التصنيع المتقدم والتكنولوجيا والنقل والخدمات اللوجستية والسياحة والعقارات والبنية التحتية، إضافة إلى استغلال قدرة الصندوق على عقد الشراكات الدولية وجذب الاستثمارات الأجنبية.
بجانب قيادة استثمارات إستراتيجية للسعودية في الخارج في قطاعات حيوية مثل السيارات الكهربائية والنقل الذكي والتكنولوجيا. وقد انعكس أداء الصندوق على الاقتصاد، فقد وصلت مساهمة الصندوق في الناتج المحلي الإجمالي للسعودية في الفترة من 2021-2025 إلى نحو 1.29 تريليون ريال.
في الختام على مدار عقود وضعت الدول ثقتها في الصناديق السيادية عن طريق توفير السيولة والحوكمة والاستقلالية، وبالنسبة للكثير فقد حان الوقت لإعادة جزء من الأصول لدعم الأسواق المحلية وبناء جدار لدعم الميزانية والشركات والمستهلكين من صدمات الجيوسياسة والتجارة.
ولكن من المهم التأكيد على عدم استدامة هذا الوضع، فالصناديق السيادية صنعت لتكون محرك لاستثمار الفوائض وتوفير الحماية للأجيال المقبلة. وعلى صناع السياسات إدراك أن أصول الصناديق يمكن أن تعمل كحائط للصدمات بشكل مؤقت، وليس كمصدر تدفق مستمر للسيولة.
مستشارة اقتصادية
