الجمعة, 14 أغسطس 2026|29 صَفَر 1448
الاقتصادية

يعرف الاقتصاد بعلم الندرة، كما عرف العالم الأثرياء بالندرة. فعلى مدار العصور كان أصحاب الثروات يمكن حصرهم على الأصابع، فهم من يمتلكون أراضي وعقارات وأصول إنتاجية ومعادن ثمينة وأموال سائلة. والشائع بين مصادر الثروة هي قيمتها وقدرتها على إحداث أثر سواء إنتاجي أو استهلاكي.

اليوم انقلب الوضع، الثراء لم يعد نادراً، فيومياً تنتج أسواق العالم مليارديرات جدد، ولكن هيكل الثروة واستدامتها وقدرتها على خلق القيمة هو جوهر النقاش، صحيح أن طفرة أسهم شركة تخلق ثروة هائلة لمستثمريها، ولكنها أيضا من الممكن أن تتبخر بين ليلة وضحاها بسبب موجه تصحيح أو صدمة جيوسياسية.

كما غيرت المحركات البخارية مستقبل الاقتصاد والإنتاج في القرن الـ18، فقد غيرت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي خريطة الثراء في القرن الـ21، في نهاية 2025 وصل عدد الملياديرات إلى 2900 مليادير بثروة تتجاوز 15 تريليون دولار. فالرغبة في حجز مقعد لقيادة المستقبل عبر كيانات تطور نماذج وتطبيقات تحاكي البشر دفع تقييم شركات لا تتجاوز إيراداتها السنوية بضعة مليارات من الدولارات وتحقق خسائر إلى وصلت في بعض الحالات إلى أكثر من 2 تريليون دولار.

هذه الظاهرة المنتشرة باتت تصنع ما يمكن أن نطلق عليه أثرياء الدفاتر، وهي فئات تستفيد من طفرة أسهم التقنية لتحقق ثروات دفترية ، ولكن دون بصمة حقيقية تذكر في الإيرادات.

هذه الظاهرة تجعلنا نتساءل؛ هل كل هذه الثروات مستدامة وحقيقية؟ الإجابة لا، هذا ما أثبته التجارب، صحيح يمكن أن ترتفع الثروة بسرعة فائقة بفضل زخم حول أسهم شركات صاعدة في مجالات حيوية مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، إلا أنها يمكن أن ترتد بسرعة أكبر مع فقدان شهية المستثمرين ومخاوف التقييم وجدراة نماذج الإيرادات والقدرة على المنافسة وخفض التكاليف.

تضخم الثروات بات غير  مقتصر عند المؤسسين والمستثمرين الاوائل فقط، إنما يمتد إلى عشرات الملايين من الأفراد والموظفين حول العالم، عبر مدخراتهم في صناديق التقاعد والمعاشات وبنوك الاستثمار التي تشكل أسهم التقنية جزء هام من محافظها.

هذا الوضع يجعل الأفراد يشعرون بأنهم أكثر ثراءً، ما يشجعهم على زيادة الإنفاق دون أن يقابله زيادة متناسبة في الإنتاج. تذكرنا النظرية التقليدية عندما ينمو الدخل والاستهلاك بمعدل أكبر من الإنتاج يحدث اختلال في توازن العرض والطلب، حيث يصبح عرض النقود أكبر من السلع المتاحة، هنا يحدث التضخم وارتفاع الأسعار وتفقد النقود قيمتها الشرائية.

فخ الثراء السريع من طفرة رقمية يحمل في طياته مخاطر هيكلية. صحيح أن التقنيات المتقدمة تحمل مستقبل العالم، ولكنها لا تغني عن قطاعات حيوية مثل التصنيع والإنتاج والزراعة.

بالتالي تركز مدخرات العالم سواء شركات أو أفراد أو حكومات في قطاع بعينه قد يؤدي إلى تشويه توزيع رأس المال. كما قد يجعل الأسواق والاقتصاد الأوسع أكثر عرضة للمخاطر في حال شهدت التقييمات انخفاضاً حاداً، وهذا كفيل بإحداث صدمة في مؤشرات أسواق السلع والعمل والتنمية الاجتماعية والاقتصادية.

تركز الادخار في فئة محددة من الأصول يجعلها معرضة للتآكل في حالة حدوث هزة في الأسواق مثل موجات التصحيح أو الفقاعات. ذلك يعني أن كل مستثمر ومستهلك خسر جزء من أمواله، ويترجم في النهاية إلى ضغط مباشر على الأسر مع انخفاض الملاءة المالية، وضغط على القطاعات المصرفية ومؤسسات الإقراض مع ضعف القدرات التمويلية، وفي النهاية ضغط على الأسواق مع ضعف الاستهلاك والاستثمار والإنتاج والتوظيف.

ختاماً من المهم أن يفكر العالم بطريقة مختلفة في التعامل مع ظاهرة الثراء السريع. ومناقشة مخاطرها بشفافية على أصعدة متنوعة مثل خلق القيمة وتركز المدخرات وارتفاع الأسعار.

مع السعى لبناء آليات تضمن تقاسم مكاسب تضخم الثروات، وتعزز التحوط من صدمات فقدانها. فالمعيار الحقيقي يجب أن يكون مقدار ما تصنعه الثروة من قيمة حقيقية وعائد على الاقتصاد والمجتمع، وليس ما تظهره من قيم دفترية على شاشات التداول.

مستشارة اقتصادية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية