الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الاثنين, 1 يونيو 2026 | 15 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

توطين قطاع الاستشارات رافعة للسيادة المعرفية

بكر الهبوب
الأربعاء 22 أكتوبر 2025 14:41 |3 دقائق قراءة

في كلِّ نهضةٍ كبرى عرفها التاريخ الحديث، كانت الاستعانة بالخبرات العالمية خطوةً أولى في طريق بناء القدرات الوطنية. لم يكن ذلك ضعفًا أو تفويضًا للعقول الأجنبية، بل كان جزءًا من معادلة التحول من "استيراد الرؤى" إلى "توطين الفكر". فحين تتسارع عجلات التنمية، تحتاج الدول إلى منظومة مؤسسية متكاملة تضم منظمات دولية وإقليمية، وجامعات عريقة، ومراكز بحثية متخصصة، وشركات استشارية ذات خبرة عميقة، لتكون جميعها أدوات بناء لا بدائل عن العقل الوطني.

لقد اختارت دول عديدة هذا المسار بحكمة. فاليابان بعد الحرب العالمية الثانية استقطبت المدارس الإدارية الغربية لتتعلم منها، ثم طوّرت فلسفتها الخاصة في الإدارة والجودة حتى أصبحت نموذجًا يُدرّس عالميًا. وكوريا الجنوبية استدعت مستشارين عالميين لتصميم سياساتها الصناعية، لكنها بعد عقدين فقط كانت تُصدر المعرفة نفسها للعالم. أمَّا سنغافورة فقد بَنَتْ نهضتها عبر تحالفٍ ذكيٍّ بين الحكومة والجامعات والمراكز الاستشارية الدولية، لتتحول لاحقًا إلى مركزٍ إقليمي لصناعة الفكر والسياسات العامة.

هذه التجارب الناجحة تشترك في أنها لم تكتفِ بالاستعانة بالخارج، بل جعلت من الخبرة الأجنبية جسرًا لتأسيس منظومات محلية قادرة على التفكير والتحليل والتخطيط. وقد تجلّى ذلك في 3 محاور مترابطة: بناء مؤسسات حكومية مختصة بالفكر والتحليل الإستراتيجي، وتشجيع الجامعات على أن تكون شريكًا فاعلًا في صياغة السياسات العامة، ثم دعم المكاتب الاستشارية المحلية لتتحول إلى مراجع إقليمية عبر نظام بيئي حاضن يُنمّي القطاع الخاص، ويُحفّز الشراكات المعرفية، ويُعزّز الابتكار في الخدمات المهنية.

وفي الوقت ذاته، أسهمت دولٌ عديدةٌ في تفعيل دور القطاع غير الربحي والمؤسسات البحثية المستقلة لتكون ذراعًا فكرية موازية للمؤسسات الحكومية. فالمراكز الفكرية في بريطانيا والولايات المتحدة وأستراليا، على سبيل المثال، أصبحت شريكًا في صناعة القرار ومصدرًا لتغذية صانع السياسات بالتحليلات والدراسات، وربطت بين البحث الأكاديمي واحتياجات المجتمع والاقتصاد. كما عززَّت تلك الدول مكانة المراكز الوطنية والمكاتب المحلية بسياسات تفضيلٍ في المشتريات الحكومية، بما يضمن نقل المعرفة وتدويرها داخل الحدود الوطنية.

وتبرز في هذا السياق أهمية التكامل بين الحكومة والجامعات وقطاع الأعمال بوصفه منظومة متكاملة تُحوِّل المعرفة إلى ممارسة عملية، وفق إطار عمل مشترك يعرف بنموذج "Triple Helix Partnerships"، حيث تمثل الحكومة المُمكِّن والمشرّع، والجامعات مصدر الفكر والمعرفة، والقطاع الخاص محرك التطبيق والاستثمار.

وهذا التكامل هو ما تحتاجه جهود توطين قطاع الاستشارات، بحيث تنتقل من كونها نشاطًا تجاريًا خارجيًا إلى منظومةٍ وطنيةٍ معرفيةٍ تتضافر فيها هذه الأضلاع الثلاثة لإنتاج فكرٍ إستراتيجيٍ متجدد. وقد أثبتت تجارب فنلندا وكوريا الجنوبية وسنغافورة نجاح هذا النموذج في التحول من "شراء الرأي" إلى "صناعة الرأي"، عَبرَ بناء منظومةٍ ثلاثيةٍ تُنتج الفكر وتحوّله إلى تطبيقات محلية تقلل الاعتماد الخارجي.

ومن شأن تبنّي هذا النهج في المملكة أن يُرسخ بيئة استشارية وطنية تُنتج المعرفة وتُفعّلها، وتُسهم في تعزيز السيادة المعرفية وحفظ سرية البيانات الوطنية، إذْ تبرز فرصةٌ تاريخيةٌ لتوطين صناعة الفكر وصياغة المستقبل بقدرات وطنية.

 فقد أرست السعودية منذ إطلاق رؤيتها 2030 مبدأً راسخًا في اتباع المنهج العلمي في إعداد الدراسات والتحليلات والمقارنات المرجعية، واستعانت بالخبراء والشركات الاستشارية العالمية لبناء الهياكل والبرامج الكبرى. أمَّا المرحلة المقبلة فتمثل نقلة نوعية نحو التمكين الذاتي لهذه الصناعة، عبر الاستثمار في المراكز الوطنية المتخصصة، وتحفيز الجامعات لتكون بيوت خبرة وطنية، وتمكين المكاتب الاستشارية المحلية لتنافس عالميًا في تقديم الحلول والتصميمات المؤسسية والتشريعية.

إنَّ توطين هذا القطاع لا يعزز فقط الاستقلال الفكري، بل يُحافظ على سرية المعلومات الإستراتيجية، ويبني كفاءاتٍ وطنيةٍ تمتلك القدرة على التحليل والتخطيط واتخاذ القرار. وهو استثمار طويل الأمد في الذاكرة المؤسسية للدولة وفي عقلها الجمعي الذي يصوغ مستقبلها.

 ويمكن للسعودية أن تحاكي تجربتها الرائدة في دعم الذكاء الاصطناعي، التي جمعت بين التنظيم والتمويل والتمكين الأكاديمي والتعاون الدولي، لتنشئ منظومةً متكاملةً أنتجت خبرات سعودية تنافس في مجالات التقنية والتحليل والتشغيل. فكما تسعى السعودية في بناء صناعة ذكاء اصطناعي ذات هوية وطنية، يمكنها أن تتبنى صناعة استشارية وطنية لا تقل أهمية في رسم السياسات والتوجهات.

إنَّ صناعة الفكر ليست رفاهيةً ولا ترفًا أكاديميًا، بل هي سر بقاء الدول وسيادتها على قرارها المعرفي. وحين تتكامل الجهود بين الحكومات والجامعات والقطاع الخاص والمجتمع المدني، تصبح الدولُ قادرةً على إنتاج فكرها بنفسها، وإدارة تحولها بكفاءتها، وصياغة مستقبلها بإرادتها.

تلك هي المعادلة التي جعلت من الأمم المتقدمة ما هي عليه اليوم، وهي المعادلة ذاتها التي تُمهّد للسعودية طريق الريادة في صناعة الفكر كما قادتها من قبل إلى ريادة الطاقة والتقنية والتحول الاقتصادي.

مستشار قانوني

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية