أ.د. محمد بن عبدالله العضاضي
يشهد العالم تحولاً متسارعاً نحو اقتصاد المعرفة، حيث لم تعد الثروات الطبيعية وحدها كافية لضمان الاستدامة الاقتصادية، بل أصبحت الابتكارات النوعية والتقنيات المتقدمة هي المحرك الرئيس للنمو والتنافسية بين الدول. وفي هذا السياق، يبرز مفهوم توطين الابتكارات النوعية كأحد الركائز الإستراتيجية لبناء اقتصاد متنوع ومستدام، قادر على صنع قيمة مضافة عالية وتعزيز القدرة التنافسية الوطنية.
يقصد بتوطين الابتكار نقل وتطوير التقنيات المتقدمة داخل الدولة بحيث لا يقتصر دورها على الاستهلاك أو الاستيراد، بل يمتد إلى التطوير والتصنيع والتصدير. ويعد هذا التحول خطوة مهمة في الانتقال من اقتصاد يعتمد على الموارد إلى اقتصاد قائم على المعرفة والبحث العلمي والابتكار.
تشير تقارير الاقتصاد العالمي إلى أن الابتكار يسهم بنحو 50% من النمو الاقتصادي في الدول المتقدمة، كما أن الدول التي تستثمر بكثافة في البحث والتطوير تحقق عوائد اقتصادية كبيرة على المدى الطويل، فعلى سبيل المثال، تنفق كوريا الجنوبية أكثر من 4.8% من ناتجها المحلي الإجمالي على البحث والتطوير، وبلغت مخصصات مشاريع البحث والتطوير في 2026 مبالغ قياسية تجاوزت 35 تريليون وون (25 مليار دولار)، وهو ما ظهرعلى نمو الصناعات التقنية وزيادة صادراتها المتقدمة.
ومن أبرز مجالات الابتكار النوعي التي تحقق أثراً اقتصادياً وإستراتيجياً كبيراً الابتكارات الدفاعية، التي غالباً ما تكون نقطة انطلاق لتقنيات مدنية واسعة الاستخدام. فعلى سبيل المثال، أدت الاستثمارات العسكرية في تطوير أنظمة الملاحة بالأقمار الصناعية (GPS) إلى ظهور منظومة اقتصادية عالمية تعتمد عليها قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والتجارة الإلكترونية، وتقدر قيمتها الاقتصادية اليوم بمئات المليارات من الدولارات سنوياً.
كما تمثل الطائرات دون طيار (الدرونز) نموذجاً واضحاً للابتكار الدفاعي الذي تحول إلى صناعة اقتصادية ضخمة. فقد بدأت هذه التقنيات لأغراض استطلاعية وعسكرية، ثم توسعت استخداماتها في مجالات الزراعة الذكية، ومراقبة البنية التحتية، وإدارة الكوارث، والتصوير الجوي، حيث تتوقع عديد من الدراسات أن يتجاوز حجم سوق الطائرات دون طيار عالمياً 90 مليار دولار بحلول 2030.
ومن الابتكارات النوعية أيضاً تقنيات الرادار والاستشعار المتقدم، التي تُستخدم في الأنظمة الدفاعية للكشف المبكر والتتبع، لكنها في الوقت ذاته تمثل أساساً لتطبيقات مدنية مهمة مثل المركبات ذاتية القيادة، وأنظمة السلامة الجوية، ومراقبة البيئة. وقد أصبحت هذه التقنيات جزءاً أساسياً من منظومة الاقتصاد الرقمي والصناعي المتقدم. كما أن الابتكارات في الذكاء الاصطناعي الدفاعي وتحليل البيانات الضخمة أسهمت في تطوير تطبيقات مدنية عديدة، مثل أنظمة الأمن السيبراني، والتحليل التنبئي، وإدارة المدن الذكية. وتشير التقديرات إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف نحو 15 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي في الأعوام المقبلة.
وفي السعودية، يشكل الابتكار محوراً رئيساً في رؤية السعودية 2030، حيث تستهدف الإستراتيجية الوطنية للبحث والتطوير والابتكار رفع نسبة الإنفاق على البحث والتطوير إلى نحو 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2040، إضافة إلى تعزيز توطين الصناعات التقنية المتقدمة، ومنها الصناعات الدفاعية.
كما تعمل على توطين ما يزيد على 50% من الإنفاق العسكري بحلول 2030، وهو ما يفتح المجال لتطوير صناعات تقنية متقدمة في مجالات الطيران والفضاء، والأنظمة الذكية، والإلكترونيات الدفاعية. ويُتوقع أن يسهم هذا التوجه في صنع آلاف الوظائف النوعية وتعزيز نقل المعرفة التقنية إلى الاقتصاد الوطني.
إن توطين الابتكارات النوعية لا يقتصر على تطوير التقنيات فحسب، بل يشمل بناء منظومة متكاملة تضم الجامعات، ومراكز الأبحاث، والشركات الناشئة، ورأس المال الجريء، والسياسات الداعمة لتوطين الابتكار النوعي. فهذه المنظومة هي التي تمكّن من تحويل الأفكار البحثية إلى منتجات صناعية ذات قيمة اقتصادية واعدة.
وهذا التوطين يمثل استثماراً اقتصادياً وإستراتيجياً في المستقبل، حيث يسهم في تعزيز الاستقلال التقني، ورفع كفاءة الاقتصاد الوطني، وتوليد صناعات جديدة قائمة على المعرفة. فالدول التي تمتلك القدرة على إنتاج الابتكار وتوطينه هي الأكثر قدرة على قيادة الاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.
أستاذ وباحث في الهندسة والأنظمة الابتكارية
