الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

حين نستحضر محركات النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل، تتبادر إلى الذهن عادةً الشركات متعددة الجنسيات الكبرى والعلامات التجارية العالمية. غير أن الواقع في الاقتصادات الصاعدة والنامية يقول إن المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة هي التي تضطلع بهذا الدور المهم.

تمثّل المشاريع الصغيرة والمتوسطة نحو 90% من إجمالي مشاريع الأعمال حول العالم، وتستوعب أكثر من نصف العمالة على المستوى العالمي. وفي البلدان النامية، تؤدي هذه المشاريع دوراً لا غنى عنه في تعزيز التنوع الاقتصادي والحدّ من الفقر، إذ توفر فرص عمل لا توفّر للناس الدخل وحسب، بل تمنحهم أيضاً غاية يحيون من أجلها وكرامة يزهون بها وسط مجتمعاتهم.

غير أن كثيرا من الشركات الصغيرة في البلدان النامية لا تزال تعاني شُح التمويل وتتعثر في مسيرتها، ولا سيما تلك التي تقودها المرأة. فكثير من النساء يجدن أبواب القنوات المالية التقليدية مغلقة أمامهن، ما يحد من قدرتهن على التوظيف والابتكار. وتقدر فجوة التمويل أمام الشركات التي تقودها المرأة على المستوى العالمي بتريليونات الدولارات.

وحتى عندما تتمكن المرأة من الوصول إلى رأس المال، فإنها تصطدم بعقبات إضافية في الحصول على التدريب في مجال أنشطة الأعمال والشؤون المالية الذي تحتاجه لبناء مهاراتها وصقل خبراتها. وما لم تتسع مشاركة المرأة وتتعزز قيادتها في الاقتصاد، فإن الطاقة الكاملة للنمو وتوفير فرص العمل ستبقى حبيسة إلى حد بعيد، مع ما يترتب على ذلك تداعيات على مسار التنمية الاجتماعية والاقتصادية على المدى البعيد.

هذه فرص ضائعة لا يمكن إغفالها، وتقتضي تبني نهج أثبت جدارته العملية ألا وهو: وضع حلول مصممة خصيصا لتلبية احتياجات رائدات الأعمال أينما كن من خلال توسيع نطاق الحصول على التمويل وتنمية المهارات العملية وتوفير الإرشاد والتوجيه والاستفادة من التكنولوجيا. ويبدأ التقدم الحقيقي من تصميم تدخلات موجهة تنبع من الواقع المحلي وتعكس خصوصياته.

غير أن تصميم حلول مخصصة لا يكفي وحده؛ فما يُحدث التحول الحقيقي هو الابتكار. فمصادر البيانات الجديدة التي تتجاوز السجلات الائتمانية التقليدية، وقنوات التوزيع الرقمية التي تتيح الوصول إلى الشركات التي ظلت خارج نطاق الخدمات المصرفية التقليدية، والأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي للمساعدة في اتخاذ القرارات الائتمانية وبناء القدرات، جميعها تُمكّن المؤسسات المالية من خدمة الشركات المملوكة أو التي تديرها نساء بفاعلية أكبر وعلى نطاق أوسع.

والاستفادة من هذه الابتكارات يستلزم تضافر جهود القطاعين العام والخاص، وتوحيد الخبرات العالمية خلف ما يصلح للتطبيق من خلال المعرفة العميقة بالمجتمعات المحلية. وهذا بالضبط ما دفع مجموعة البنك الدولي ومؤسسة فيزا إلى الشراكة معاً.

ومن خلال هذه الشراكة، التي تركز في مراحلها الأولى على الهند وجنوب إفريقيا ونيجيريا وكولومبيا والمكسيك، فإننا ندعم الشركاء المحليين — من بنوك ومؤسسات تمويل أصغر وحكومات ومنظمات غير ربحية — لصياغة حلول مُصمَّمة خصيصاً لتلبية احتياجات رائدات الأعمال. وستحظى آلاف الشركات الصغيرة ومتناهية الصغر ببرامج تثقيف مالي هادفة، فيما ستستفيد كثير منها بصورة غير مباشرة من تحسين السياسات المالية واللوائح التنظيمية، ومن منتجات تمويل مُصمَّمة خصيصاً للاستفادة من الابتكارات الرقمية، ومن تعزيز القدرات داخل المؤسسات المالية.

يقوم نهجنا الشامل على مبدأ راسخ هو أنه لا توجد وصفة واحدة تصلح للجميع. فرائدة الأعمال في الهند تواجه بيئة سوقية مغايرة تماماً لنظيرتها في نيجيريا أو المكسيك أو كولومبيا أو جنوب إفريقيا. ولذا، لا بد من اقتران الإصلاحات التنظيمية الشاملة بمنتجات وحوافز مُصمَّمة خصيصاً لمقدمي الخدمات المالية، بما يُمكّنهم من خدمة الشركات التي تقودها النساء بكفاءة أعلى، ومساعدتها على الانطلاق نحو آفاق أوسع.

ففي الهند على سبيل المثال، يختبر مشروع لمجموعة البنك الدولي أحد هذه الحلول في مواجهة واحد من أصعب التحولات التمويلية التي تصطدم بها رائدات الأعمال وهي: اللحظة التي تتجاوز فيها الشركة التي تقودها المرأة حدود الاقتراض الجماعي والتمويل الأصغر، دون أن تكون قد بلغت من الحجم والرسوخ ما يمكنها من الوصول إلى الائتمان التجاري المتاح للجميع بشروط ميسرة.

يستهدف هذا الحل تمكين رائدات الأعمال من الحصول على قروض بآجال أطول وتكاليف أقل. ولتحقيق ذلك، تتعاون مجموعة البنك الدولي مع مؤسسات التمويل الإنمائي الكبرى وشبكة واسعة من الشركات المالية غير المصرفية، لاختبار ما يُعرف بـ"سندات النوع الاجتماعي المعززة ائتمانياً". وتُشكل هذه السندات مساراً أقل تكلفة لهؤلاء المقترضات لتدبير التمويل طويل الأجل، وتساعدهن على الاتصال بمستثمرين لم يكن بوسعهن الوصول إليهم دون هذه الأداة.

إن كان الوصول إلى رأس المال يُشعل يدفع عجلة النمو، فإن اكتساب المهارات لا يقل أهمية عنه. ففي منطقة أمريكا اللاتينية، أبرمت مؤسسة فيزا شراكة مع منظمة برو موخير لإطلاق إمبريندي برو موخير، وهي منصة رقمية تعمل عند الطلب وتخدم رائدات الأعمال في كل مرحلة من مراحل مسيرتهن. ويُتيح البرنامج وصولاً مرناً إلى المهارات والأدوات اللازمة لبناء مشروع أقوى وأكثر قدرة على مواجهة المستقبل.

وتكشف تجارب مثل منصة إمبريندي برو موخير والمشروع التجريبي لمجموعة البنك الدولي في الهند عن كيف يمكن للحلول المُصمَّمة بدقة أن تدعم ريادة أعمال المرأة. ومن هذا المنطلق، تدعم مجموعة البنك الدولي الشمول المالي للمرأة في الهند وجنوب إفريقيا والمكسيك وكولومبيا ونيجيريا، عبر منظومة متنوعة من المبادرات، صُمِّمت كل منها وفقا للسياق المحلي.

وتشمل هذه المبادرات بناء قدرات الشركات الصغيرة التي تقودها النساء من خلال التدريب وتيسير الوصول إلى الأسواق، وتعزيز كفاءة المؤسسات المالية والجهات التنظيمية لخدمة هذه الشركات بصورة أفضل، ودعم توسيع نطاق الحصول على حلول تمويلية مبتكرة.

ونسعى من خلال هذه المبادرات القُطرية إلى تعزيز المنظومات الداعمة التي تُشكّل ركيزة لنجاح رائدات الأعمال والشركات الصغيرة. وتلعب الشراكات القوية دوراً محورياً في هذا الجهد، إذ تجمع بين المعرفة والخبرات العالمية. وتهدف الشراكة بين مجموعة البنك الدولي ومؤسسة فيزا إلى تزويد الشركات الصغيرة بما تحتاجه فعلياً: من خبرة عالمية، وتدريب مُتخصَّص في مجالَي الأعمال والرقمنة، ورأس المال، والخبرة المحلية. ونستطيع من خلال هذا التعاون المشترك أن نلتقي برائدات الأعمال أينما كانوا ومساعدتهن على التوسع والانطلاق.

وتُثبت الشركات الصغيرة في كل أرجاء العالم قدرتها على الصمود والإبداع لاغتنام هذه الفرص. وما تحتاج إليه فعلاً هو منظومة تواكب مسيرتها، وشركاء عالميون مستعدون للسير معها ودعمها حتى النهاية. فذلك استثمار حقيقي في مستقبل الجميع.

رئيسة مؤسسة فيزا ومستثمرة ومستشارة اقتصادية في البنك

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية