الاثنين, 14 سبتمبر 2026|1 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

على مدى العقود الماضية، تنافست الدول على بناء البيئة الأفضل للأعمال والاستثمار، من التشريعات وكفاءة المؤسسات إلى البنية التحتية والتمويل والمهارات وغيرها. فالمنتج التنافسي لا يولد من المصنع وحده، بل من منظومة تخفض تكلفة الإنتاج وتحافظ على الجودة وتسمح للشركات بالنمو والتطوير والوصول إلى الأسواق.

وفي هذا المسار حققت السعودية تقدماً لافتاً، والذي انعكس في تقرير التنافسية العالمية لعام 2026 الصادر عن معهد  IMD، حيث تقدمت المملكة العربية السعودية إلى المرتبة 13 عالمياً والثالثة بين دول مجموعة العشرين، ودخلت ضمن العشرة الأوائل عالمياً في 74 معياراً من أصل 262 معياراً يقيسها التقرير. كما أشار التقرير إلى تحسن الأداء في المحاور الـ4 الرئيسية التي تشمل الأداء الاقتصادي، والكفاءة الحكومية، وكفاءة الأعمال، والبنية التحتية.

لكن هذا النجاح يوجهنا لسؤال أهم للمرحلة الحالية والقادمة والذي يتمحور حول كيف تتحول تنافسية بيئة الأعمال إلى تنافسية المنتج نفسه؟ التفكير في مثل هذا السؤال مهم لأن المنافسة العالمية أصبحت أكثر صعوبة. فالجميع يعلم أن الصين، مثلاً، لم تعد تنافس بسبب فقط انخفاض تكلفة رأس المال البشري والسعر وحدهما، فقد تطورت قدرتها في التقنية والجودة وسلاسل الإمداد وسرعة تطوير المنتجات، وأصبحت في قطاعات مثل السيارات الكهربائية تفرض تحدياً حتى على الصناعات الأوروبية والأميركية.

التجربة الألمانية تقدم اليوم درساً إضافياً يدور حول أن قوة المنتج وحدها لا تكفي إذا ضعفت تنافسية موقع الإنتاج. فالإنتاج الصناعي الألماني انخفض 1.6% في 2025، مسجلاً التراجع السنوي الرابع على التوالي، فيما ارتفعت حالات إفلاس الشركات إلى 24,064 حالة، بزيادة 10.3% عن العام السابق، ويُلاحظ أخيرا أن الصناعة هناك تواجه ضغوطاً مرتبطة بالطاقة والتكاليف والاستثمار والمنافسة الخارجية. وهنا يصبح الدرس الألماني أكثر فائدة وعلينا أن نضع في إستراتيجيتنا طويلة المدى أن بناء شركات ممتازة يحتاج إلى بيئة تنافسية، والمحافظة على هذه البيئة ليست إنجازاً يحدث مرة واحدة، بل عملية مستمرة.

ومثال آخر ليس بجديد على القارئ، وهو إستراتيجية كوريا الجنوبية الصناعية التي توضح أن امتلاك المواد الخام ليس الركيزة الوحيدة لبناء صناعة عالمية، فقد بنت قدرتها على التصدير من خلال التقنية والتخصص وتعميق سلاسل القيمة، وانتقلت تدريجياً من صناعات أبسط إلى منتجات أكثر تعقيداً وعلامات عالمية.

وبالنسبة للسعودية، فإن الموارد الطبيعية تمثل بالطبع أفضلية وميزة تنافسية مهمة، خصوصاً في التعدين والبتروكيماويات والطاقة، لكن الفرصة لا تتوقف عندها. فحجم السوق، والطلب الصناعي، والموقع الجغرافي، والبنية اللوجستية، والخبرة في قطاعات مثل الطاقة والمياه، والشراكات مع الشركات العالمية، كلها يمكن أن تتحول إلى مزايا لطاقة إنتاجية أكبر. والأهم أن السعودية حددت بالفعل اتجاهها الصناعي، فالإستراتيجية الوطنية للصناعة تركز على  118 مجموعة من السلع ضمن 12 قطاعاً ذا أولوية، مع خطط للوصول إلى قطاعات تستطيع السعودية المنافسة فيها إقليمياً وعالمياً.

لذلك لا تكمن القضية في إعداد قائمة جديدة لما يجب تصنيعه، بل في السؤال الاعمق والذي يتمحور حول كيف من الممكن أن نرفع فرص نجاح المنتجات والشركات داخل هذه الأولويات؟ وأعتقد أن الإجابة على السؤال لا يجب أن تبدأ من الصفر، فبرنامج (اكتفاء) لدى أرامكو يقدم نموذجاً لكيفية تحويل الطلب الكبير إلى فرصة لبناء موردين ومصنعين محليين، والذي حسب آخر الإحصاءات وصل البرنامج إلى 70% من المحتوى المحلي مطلع 2026، وحدد أكثر من 200 فرصة توطين في 12 قطاعاً تمثل سوقاً سنوية تقدر بنحو  28 مليار دولار.  وأسهمت هذه الفرص في جذب أكثر من 350 استثماراً من 35 دولة، وفي تصنيع 47 منتجاً إستراتيجياً داخل السعودية للمرة الأولى.

أما التاجر، فهناك فرصة أكبر للاستفادة من معرفته بالسوق، وهذا التحول موجود بالفعل في نماذج سعودية، ولن نذكر الأسماء لمجموعات تجارية هنا تفاديا للدعاية لها، فهناك مجموعات تجارية بدأت تاريخياً كشركة تجارية، تطورت إلى أنشطة صناعية وتوزيعية تشمل اليوم تصنيع وتعبئة المشروبات والأغذية وإنتاج العبوات المعدنية، مستفيدة من الجمع بين معرفة المستهلك وشبكات التوزيع والقدرة التصنيعية.

وهناك مثال آخر لشركة تجمع بين توزيع المعدات والشراكات مع شركات عالمية وبين التصنيع المحلي، ومن ذلك تجميع الشاحنات وتصنيع حلول ومعدات متخصصة داخل السعودية. وهذه النماذج توضح أن التاجر لا يحتاج إلى التخلي عن التجارة ليصبح جزءاً من الصناعة، بل يمكن أن تكون معرفته بالعميل والمورد والأسعار والطلب هي نقطة البداية لاستثمار صناعي أكثر نجاحاً.

بناء على هذه التطورات المتسارعة، نرى أن المرحلة المقبلة ليست في ابتكار نموذجاً جديداً بقدر ما هي في توسيع وتعميق ما بدأ بالفعل، وأن يجتمع الطلب المحلي الكبير مع المستثمر الذي يختبر الجدوى، والمصنع الذي يبني القدرة، والتاجر الذي لديه معرفة عميقة بالسوق، والشريك العالمي الذي يضيف التقنية والوصول إلى الأسواق الخارجية.

لقد حققت السعودية تقدماً كبيراً في بناء بيئة تنافسية وحددت أولوياتها الصناعية، وتوفرت نماذج عملية لتوطين سلاسل الإمداد وتطوير الموردين. لهذا نرى أن يتم التركيز أكثر في المرحلة المقبلة على أن تتحول هذه المزايا من خصائص للاقتصاد السعودي إلى خصائص داخل المنتج السعودي نفسه... في السعر والجودة والتقنية والثقة والخدمة، وما يمكّنه من المنافسة محليا ودولياً.

مستشار اقتصادي وعضو جمعية الاقتصاد السعودية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية