افتتحت تنزانيا محطة جوليوس نيريري الكهرومائية بقدرة 2115 ميجاواط، محققة فائضاً في الكهرباء بتمويل ذاتي من الموازنة العامة بتكلفة 2.9 مليار دولار. شارك تحالف مصري في التنفيذ، واستخدمت معدات صينية. المشروع أثار مخاوف بيئية بسبب تأثيره في محمية سيلوس. التمويل الغربي تراجع لصالح التمويل المحلي.
قبل 4 أعوام، واجهت تنزانيا نقصاً حاداً في الكهرباء، دفع شركة المرافق الحكومية إلى تقنين الإمدادات، مع انقطاع التيار الكهربائي عن بعض المناطق 9 ساعات يومياً. لكن المشهد تبدّل بحلول الأسبوع الماضي، حين افتتحت الرئيسة سامية صلوحو حسن رسمياً محطة عملاقة لتوليد الطاقة الكهرومائية على نهر روفيجي، أكبر أنهار البلاد، لتتحول تنزانيا إلى دولة تتمتع بفائض في الكهرباء.
فقد ضاعف مشروع جوليوس نيريري للطاقة الكهرومائية، الذي سُمي تيمناً بأول رئيس لتنزانيا، قدرة البلاد المحلية على توليد الكهرباء. وبات الإنتاج يفوق الاحتياجات، ما يعني أن توربينات السد لن تعمل بأكثر من 40% إلى 50% من طاقتها، ما لم تستثمر تنزانيا مزيداً في تطوير شبكة الكهرباء وخطوط الربط مع الدول المجاورة.
هذه الوفرة في الطاقة تحلم بها حتى الدول المتقدمة. واللافت أن تنزانيا حققت هذا الإنجاز بتمويل ذاتي بالكامل تقريباً، إذ تكفلت الموازنة العامة للدولة بتمويل المشروع البالغة قدرته 2115 ميجاواط، ليصبح الأكبر من نوعه في إفريقيا بعد سد النهضة الإثيوبي الضخم والمثير للجدل.
أمضينا أكثر من عقد قلقين من أن يؤدي انحسار التمويل الغربي لمشاريع البنية التحتية في الاقتصادات الناشئة إلى إجبار الحكومات الآسيوية والإفريقية على تحمّل مستويات مقلقة من الديون الصينية. لكن تبيّن أن هناك خياراً آخر، يتمثل في تمويل المشروع ذاتياً، إذا ركزت جيداً على اختيار الشروط والمقاولين المناسبين.
الحوكمة تثير مخاوف بيئية
لا تُعد تنزانيا، على وجه الدقة، نموذجاً يُحتذى به في الحوكمة. وتعود فكرة المشروع إلى عام 1907، حين اقترح المهندس الاستعماري الألماني فرانز شتيغلر (الذي قُتل لاحقاً على يد فيل) إقامة سد على نهر روفيجي. لكن المشروع لم ينطلق فعلياً إلا بعدما تبناه جون ماغوفولي، سلف حسن، بوصفه مشروعه الأبرز. وقد وُجهت إلى كلا الزعيمين اتهامات موثوقة بممارسة العنف السياسي واضطهاد المعارضين.
وفي الدول ذات الأنظمة السلطوية، يصعب التشكيك في الأثر البيئي لمثل هذه المشاريع، وهو أمر مؤسف؛ لأن هذه التساؤلات لا ينبغي تجاهلها. وستغمر مياه المشروع ما بين 1.5% و3% من محمية سيلوس، المدرجة على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) منذ عام 1982.
ويخشى دعاة حماية البيئة أن يؤثر المشروع في أنماط هجرة الحيوانات البرية المحلية وموائلها، بما فيها الأفيال ووحيد القرن الأسود المهدد بخطر الانقراض الشديد. ويقول الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (International Union for Conservation of Nature) إن التقييم البيئي الذي أجرته الحكومة التنزانية "جاء دون المعايير العالمية بصورة جوهرية".
بالنظر إلى المآزق العديدة المرتبطة بالسدود الكبرى، يظل نجاح تنزانيا في إنجاز المشروع أمراً لافتاً. ورغم انتقاد جهاز الرقابة الحكومي سوء إعداد وثائق العقد، ما حمّل الحكومة تكلفة التأخيرات، يبدو أن المشروع أُنجز إلى حد كبير ضمن الميزانية وبدون تأخير كبير. وبلغت تكلفته، وفقاً للمسؤولين، 2.9 مليار دولار. ومُوّل، مع عدد محدود من المشاريع الكبرى الأخرى، بصورة شبه كاملة من الإيرادات الحكومية، بما في ذلك حصيلة زيادة ضرائب الوقود بنحو الثلث.
لم يؤدِ ذلك إلى تفاقم الدين العام أو صرف أنظار الدولة عن أولويات أخرى أثناء بناء السد. فقد ارتفع الإنفاق على التعليم والصحة بالمعدل نفسه لنمو الناتج المحلي الإجمالي خلال العامين الماضيين، كما طبّقت الحكومة نظام التأمين الصحي الشامل وأتاحت 6 سنوات من التعليم الثانوي المجاني.
تنزانيا تحسم خيارات التمويل والتنفيذ
اتخذت تنزانيا عدة قرارات أسهمت في نجاح المشروع. أولاً، صرفت النظر عن فرص الحصول على تمويل غربي، كان تأمينه صعباً على أي حال، بعدما أحجمت بنوك التنمية ووكالات المساعدات عن تمويل مشروعات الطاقة الكهرومائية في العالم النامي، في أعقاب حملات قادها نشطاء خلال تسعينيات القرن الماضي.
ثانياً، لم تستعض تنزانيا عن الغرب ببكين. فقد سبق أن رفض ماغوفولي عرضاً صينياً بقيمة 10 مليارات دولار لإعادة تطوير ميناء باغامويو، واصفاً إياه بأنه "استغلالي ومربك"، فيما اشتكى مسؤولون من أن المفاوضين الصينيين كانوا يعاملونهم "مثل تلاميذ المدارس".
ثالثاً، لم تتعجل تنزانيا قبول أول عرض تلقته، والذي قدمته شركة الإنشاءات البرازيلية "أودبريشت" (Odebrecht SA)، المعروفة بتاريخها المرتبط بالفساد في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، وكانت تسعى إلى التوسع في إفريقيا. (وتقدمت الشركة بطلب للحماية من الإفلاس عام 2019)، كما عرضت تنفيذ المشروع بتكلفة تفوق بكثير ما دُفع في النهاية.
تحالف مصري يشارك في تنفيذ المشروع
اختار التنزانيون بدلاً من ذلك تحالفاً مصرياً. وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي شارك الرئيسة حسن مراسم الافتتاح، يريد إثبات أن اعتراضات بلاده الشديدة على سد النهضة الإثيوبي الضخم على نهر النيل لا تمتد إلى مشاريع أخرى. وبما أن بحيرة فيكتوريا، التي تسيطر تنزانيا على نصفها، تُعد منبع النيل الأبيض، فمن مصلحة مصر الحفاظ على علاقات ودية مع تنزانيا، وأن تظل الأخيرة غنية بالطاقة الكهرومائية قدر الإمكان.
وهكذا، أُنجز المشروع العملاق بأقل من الميزانية المرصودة، وبتكلفة بلغت 1.37 مليون دولار لكل ميجاواط، عند الحد الأدنى لنطاق تكلفة المشاريع المماثلة. كما مُوّل من الضرائب الإفريقية، وظل تحت سيطرة تحالف إفريقي، وهو إنجاز يستحق الاحتفاء.
الصين تشارك والغرب يخسر
بالطبع، ذهب جزء كبير من الأموال إلى الصين على أي حال. فقد ورّدت شركة "دونغفانغ إلكتريك" (Dongfang Electric) المملوكة للدولة التوربينات المستخدمة في توليد الكهرباء. كما أفادت تقارير بأن شركة "سينوهيدرو غروب" (Sinohydro Group) حصلت على 969 مليون دولار لتصميم السد الرئيسي وبنائه.
لكن هذا لا يغيّر الكثير، إذ ظلت التكلفة معقولة والشروط شفافة، واعتمد المشروع في معظم عمالته على السكان المحليين، بينما بقيت السيطرة في أيدي السلطات التنزانية والمقاولين الرئيسيين المصريين. وإذا تبنت الصين هذا النهج في مشاريع البنية التحتية الإفريقية مستقبلاً، فلن يجد أي سياسي محلي ما يدعو إلى الشكوى.
أما الخاسر في هذه القصة، إلى جانب بعض الحيوانات البرية في المحمية الطبيعية ومجتمعات الصيد الواقعة أسفل مجرى النهر، فهو التمويل الغربي. فقد أحجم المستثمرون، بمن فيهم من يوجهون أموالهم عبر الوكالات متعددة الأطراف والبنك الدولي، عن تمويل المشاريع الكبرى في الاقتصادات الناشئة، ولا سيما مشروعات الطاقة الكهرومائية. ومع اكتشاف الدول قدرتها على تنفيذ هذه المشاريع ذاتياً، لم تعد بحاجة إلى الغرب ونشطائه أو الصين ودبلوماسييها.
كاتب عمود في بلومبرغ. وزميل أقدم في مؤسسة أوبزرفر للأبحاث في نيودلهي ورئيس برنامج الاقتصاد والنمو التابع لها.
خاص بـ " الشرق بلومبرغ"
