ترتكز رؤية السعودية 2030 في أحد أهم محاورها على جعل المملكة قوة صناعية رائدة عالميًا، عبر برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية الذي يستهدف بناء اقتصاد متنوع ومستدام .
هذا البرنامج لا يسعى فقط إلى إنشاء المصانع، بل إلى تأسيس بيئة صناعية متكاملة تُعظّم القيمة المضافة للموارد المحلية، وتجذب الاستثمارات، وتعزز الابتكار والتقنيات المتقدمة، وصولاً إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الواردات.
الصناعة ليست مجرد إنتاج مادي، بل هي ضمانة للأمن الاقتصادي والسيادي، ورافعة رئيسية لتوطين التقنية والمعرفة. فكل ريال يُستثمر في الصناعة يخلق فرص عمل مستدامة، ويدعم سلاسل التوريد المحلية، ويقلل استنزاف العملة الأجنبية الناتجة عن الاستيراد.
وقد برزت أهمية الصناعة بشكل جلي خلال جائحة كورونا، حين أثبتت المصانع الوطنية أنها خط الدفاع الأول في تأمين الاحتياجات الأساسية للمجتمع والاقتصاد. ورغم النجاحات، فإن القطاع الصناعي لا يزال يواجه تحديات هيكلية وتنظيمية.
من أبرزها تمديد فترة الإعفاء من المقابل المالي للعاملين غير السعوديين، والرسوم المتعددة التي تفرضها بعض الجهات بمسميات مختلفة ، إضافة إلى تغير منهجية صندوق التنمية الصناعية، الذي كان لعقود أداة تمويل تمكيني حقيقي للصناعة الوطنية، وأصبح اليوم أكثر تحفظًا وتعقيدًا في إجراءاته والأهم عدم عمل مقارنات واضحة للدول المنافسة لنا و تكلفة العمل بها كأساس للمقارنة .
كما أن نسب التوطين العالية غير المتناسبة مع طبيعة بعض الصناعات تشكّل عبئًا إضافيًا، فضلاً عن غياب الحماية الجمركية الكافية في ظل التزامات عضويتنا في منظمة التجارة العالمية رغم امتناع كثير من الدول على تنفيذها وعلى رأسها أمريكا، وعدم تفعيل قوي وفاعل لاشتراطات هيئة المواصفات والمقاييس على المنتجات المستوردة.
قبل 7 سنوات، التقى ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بعدد من الصناعيين، واستمع إليهم بعقلانية واهتمام و لبى معظم ما طرح، فكانت تلك مرحلة أمل وإصلاح. واليوم، مع تجدّد التحديات، تتجدد الحاجة إلى مرجعية أمثل تُعيد للصناعة بريقها.
وآمل أن تتبنّى وزارة الصناعة نهجًا تواصليًا دوريًا مستمرا مع الصناعيين لتفهم احتياجاتهم وتعبّر عن صوتهم أمام الجهات ذات العلاقة، أو أن تُفعّل لجنة وطنية صناعية تُنتخب من بين الصناعيين أنفسهم لتكون الممثل الصادق والمدافع عن مصالحهم في كل الأوقات .
الحل لا يكمن في كثرة المؤتمرات أو المشاركة في المحافل الدولية، بل في إصلاح بيئة الصناعة المحلية، وتوفير أدوات واليات محفّزة وممكنة لاستدامة القطاع، وحماية ذكية ومنصفة للإنتاج الوطني كما يجب أن يكون تقييم الدعم الحكومي مبنيًا على أثره الملموس في تقليل الاستيراد زيادة الإنتاج لا على حجم الإنفاق.
إن الصناعة ليست قطاعًا اقتصاديًا فحسب، بل مشروعا وطنيا إستراتيجيا يُترجم رؤية القيادة إلى واقع. ولن يتحقق التمكين الصناعي إلا بتكامل السياسات، واستماع الجهات المختصة لصوت الميدان الصناعي، وتبني حلول واقعية تنبع من معالجة معاناة المستثمرين المحليين. فبقدر ما نُعزز الصناعة اليوم، نؤمّن غدنا ونصنع اقتصادًا قويًا ومستدامًا للأجيال المقبلة.
كاتب اقتصادي ورجل أعمال
