ماهر الشميطلي
39 مليار دولار فقط لتقليص اعتماد الخليج على مضيق هرمز
الخلاصة
حرب إيران كشفت هشاشة تصدير النفط عبر مضيق هرمز الذي ينقل 20 مليون برميل يومياً. دراسة مركز الخليج للأبحاث تقترح مشاريع بديلة بتكلفة 29-39 مليار دولار تشمل إعادة تأهيل خطوط أنابيب عبر البحر المتوسط ومشروع جديد من البصرة إلى صلالة. العقبات سياسية وأمنية، لكن المشاريع تعزز أمن الطاقة وتقلل الاعتماد على مضيق هرمز.
لم يعد السؤال في أسواق الطاقة العالمية: كم برميلاً يمر عبر مضيق هرمز؟ بل كم يخسر العالم حين يتعطل هذا الممر الإستراتيجي في حرب إيران، التي شلت الملاحة في المضيق وخفضت حركة العبور إلى مستويات متدنية للغاية، كشفت مجدداً هشاشة البنية التحتية لتصدير النفط والغاز من الخليج، ودفعت الأسعار إلى أعلى مستوياتها منذ الصدمة التي أعقبت غزو روسيا لأوكرانيا.
ففي وقت كان المضيق ينقل نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل نحو ربع تجارة النفط البحرية العالمية قبل الحرب، بدا واضحاً أن الحقيقة الجغرافية لدول الخليج مزدوجة الوجه: موقع استثنائي بين أوروبا وآسيا، لكنه يظل مكشوفاً ما لم يُترجم إلى مسارات تصدير متعددة تقلّص الارتهان لممر واحد.
من هنا، تكتسب مشاريع إعادة إحياء خطوط الطاقة لتصل شواطئ البحر المتوسط، إلى جانب فكرة إنشاء ممر جديد إلى صلالة على المحيط الهندي، بعداً يتجاوز الاستثمار في الأنابيب إلى إعادة تعريف أمن الطاقة نفسه، وفق تقييم ناجي أبي عاد الرئيس التنفيذي لشركة "Petroleb" في بيروت والمستشار السابق لدى منظمة "أوبك"، وكبير مستشاري شؤون الطاقة في مركز الخليج للأبحاث.
مفتاحا أوروبا وآسيا
يقول أبي عاد: "أنابيب المتوسط المعطّلة هي مفتاح الوصول إلى أوروبا، وأنبوب المحيط الهندي المقترح هو مفتاح الوصول إلى آسيا. ومن يملك كليهما يملك قدرة التصدير إلى نصف العالم دون أن يعتمد على ممر واحد".
وكان أبي عاد قد أعد دراسة صدرت عن مركز الخليج للأبحاث بعنوان "البدائل المتاحة لمضيق هرمز أمام مُصدِّري النفط الخليجيين" الشهر الماضي، خلصت إلى أن المشكلة لم تعد تقنية بقدر ما هي سياسية، في ظل توافر مشاريع قائمة يمكن تطويرها وأخرى تاريخية يمكن إحياؤها إذا توافرت اتفاقات العبور والضمانات الأمنية.
كلفة المشاريع البديلة
لم تشر الدراسة إلى الاستثمار اللازم لتنفيذ هذه المشاريع، إلا أننا اعتمدنا على كلفة انشاء أنابيب نفط قد تم تنفيذها في المنطقة، ومن ضمنها الخط السعودي العابر من الخليج إلى البحر الأحمر، فالمبالغ المطلوبة لبناء ولإعادة تأهيل شبكة أنابيب بديلة أو متجاوزة لمضيق هرمز تراوح بين 29 و39 مليار دولار، بحسب السعة وصعوبة المسارات، وهو رقم يبدو متواضعاً قياساً إلى الأهمية الاستراتيجية للمضيق الذي يحمل شرياناً رئيسياً لتجارة الطاقة العالمية.
توقيت هذا الطرح مهم إذ إن حرب إيران الأخيرة قد أثبتت أن لمشاريع الالتفاف على المضيق قيمة تجارية وسياسية في آن واحد.
المفارقة التي تبرزها الدراسة أن البدائل العاملة حالياً ما زالت محدودة. فالسعودية تعتمد على خط "شرق-غرب" إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، والذي يستخدم جزءاً من طاقته لتغذية المصافي المحلية، بما يترك طاقة تصديرية تقارب 5 ملايين برميل يومياً. بينما تعتمد الإمارات على خط "حبشان-الفجيرة" بطاقة اسمية تبلغ 1.5 مليون برميل يومياً. عملياً، يعني ذلك أن الطاقة النفطية البديلة القائمة لا تزال أقل بكثير من الأحجام التي كانت تعبر مضيق هرمز، ما يكرس فجوة هيكلية في أمن الإمدادات.
مسارا تخفيف الاختناق
يقترح أبي عاد مسارين رئيسيين لتخفيف هذا الاختناق. الأول يتجه غرباً إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، ويقوم على إعادة تأهيل خط "تابلاين" التاريخي وخط "IPC" من حقول كركوك في العراق إلى ميناء بانياس السوري مع فرع طرابلس في لبنان، بما يتيح للنفط الخام الخليجي والعراقي بلوغ البحر المتوسط مباشرة.
أما المسار الثاني، الذي سبق وتم التباحث بشأنه بين العراق ودول الخليج بحسب المسؤولين العراقيين، فيتجه جنوباً إلى آسيا عبر مشروع جديد من البصرة جنوبي العراق إلى صلالة العمانية على بحر العرب، مع فرع يربط حبشان في الإمارات بحقل الشيبة السعودي، ليشكل ممر تصدير برياً خارج مضيق هرمز بالكامل ويخدم أكثر من دولة منتجة.
تكمن جاذبية محور البحر المتوسط في أنه لا يقدم بديلاً أمنياً فقط، بل يوفر أيضاً منافع تجارية. فدراسة مركز الخليج للأبحاث تشير إلى أن النقل عبر الأنابيب، إذا أُعيد تشغيلها، قد يقلص كلفة الشحن إلى أوروبا بنحو 40% مقارنة بمسار قناة السويس. هذا العامل لا يتعلق فقط بزمن الرحلة أو رسوم المرور، بل أيضاً بمرونة الوصول إلى أسواق البحر المتوسط والبحر الأسود وشمال غرب أوروبا، وهي أسواق تصبح أكثر حساسية في أوقات اضطراب الشحن البحري.
الصورة المالية للمشاريع
في الجانب المالي، تبدو الصورة أوضح مما قد توحي به حساسية الملف. فالحسابات المبنية على أن كلفة إعادة التأهيل تعادل نصف كلفة التشييد تقدر إحياء محور البحر المتوسط، شاملاً "تابلاين" و"كركوك-بانياس" و"كركوك-جيهان" بين 13 و17 مليار دولار، بينما قد تتطلب إعادة تأهيل خط "إيبسا" بين العراق والسعودية ما بين 2.4 و3.9 مليار دولار. أما المشروع الجديد من البصرة إلى صلالة مع منشآت التصدير والفرع الإماراتي، فيقدر بين 15 و22 مليار دولار. وبهذا، فإن كامل حزمة المشاريع تظل ضمن نطاق 29 إلى 39 مليار دولار.
لكن الأرقام، رغم أهميتها، لا تحسم الملف وحدها. وبحسب أبي عاد، فالعقبة الأبرز لخط "تابلاين" هو الحاجة إلى تفاهمات عبور بين السعودية والأردن وسوريا ولبنان، بينما يتطلب إحياء خط "IPC" تطبيعاً عملياً ومستداماً بين بغداد ودمشق وضمانات أمنية طويلة الأجل. وحتى في المسار الجنوبي الجديد، فإن نجاح خط البصرة-صلالة يفترض تنسيقاً إقليمياً نادراً بين العراق والكويت والسعودية والإمارات وعُمان، وهو تنسيق أكثر تعقيداً من مجرد قرار استثماري.
مع ذلك، فإن منطق السوق يميل لمصلحة هذه المشاريع. فكلما ارتفعت حساسية المستثمرين والمشترين تجاه مخاطر المرور في الممرات الضيقة، ازدادت قيمة الوصول إلى منافذ متعددة. كما أن وجود بنية تحتية عاملة للغاز، مثل خط "دولفين" المصمم بطاقة 3.2 مليار قدم مكعب يومياً بين قطر والإمارات، يثبت أن المشاريع العابرة للحدود ليست مستحيلة في الخليج عندما تلتقي المصالح الاقتصادية مع القرار السياسي.
رئيس تحرير «CNN الاقتصادية» سابقا
خاص بـ "بلومبرغ"
