مايك دولان
بالنسبة إلى معظم الأسر، تُعد تكلفة المال جزءًا من تكلفة المعيشة. إذا ارتفعت تكاليف الاقتراض مجددًا لكبح التضخم، فقد تُضاهي التداعيات السياسية ردة الفعل العنيفة تجاه تكلفة المعيشة التي لاحقت الديمقراطيين في انتخابات 2024. لأسباب عديدة، طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مرارًا وتكرارًا بخفض أسعار الفائدة طوال ولايتيه الأولى والثانية. ولا شك أن مزاج الناخبين أحد هذه الأسباب.
لكن حربه على إيران والصدمة الطاقية المرتبطة بها دفعتا التضخم السنوي إلى ما فوق 4% هذا الشهر، على الأرجح، كما أن أسعار البنزين في محطات الوقود أعلى بأكثر من 40% مقارنة بالعام الماضي. وقد تدهور هذا المزاج بالفعل
أظهر استطلاع الرأي الشهري الذي تجريه جامعة ميشيجان حول توجهات المستهلكين انخفاضًا حادًا في مؤشر معنوياتهم الرئيسي إلى مستوى قياسي منخفض في مايو، وهو أدنى مستوى له منذ بدء سلسلة الاستطلاعات 1960. وتُظهر استطلاعات الرأي العام صورة مماثلة، حتى بين الناخبين الجمهوريين.
وفقًا لأحدث استطلاع رأي أجرته رويترز/إيبسوس، فإن 47% فقط من الجمهوريين يُبدون رضاهم عن أداء ترمب فيما يتعلق بتكاليف المعيشة، مقارنةً بـ 46% يرون أنه يُسيء الأداء. أما بين الأمريكيين عمومًا، فإن واحدًا فقط من كل خمسة يُؤيد سجل ترمب في هذا الشأن.
يُسلط هذا الضوء على تراجع ترمب الواضح عن خفض أسعار الفائدة هذا الأسبوع، بالتزامن مع تولي كيفن وارش، الذي عينه، رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
في تناقض صارخ مع العام الماضي، حين كان ينتقد باستمرار الرئيس المنتهية ولايته جيروم باول لعدم خفضه أسعار الفائدة، صرّح ترمب لصحيفة واشنطن إكزامينر يوم الثلاثاء بأن وارش حرٌ في اتخاذ القرار الذي يراه مناسبًا بشأن أسعار الفائدة. كما هي الحال غالبًا مع ترمب، ربما كان ذلك مجرد تصريح عابر.
لكنه قد يظهر أيضًا إقرارًا بأن وارش قد يضطر للإشراف على إجراءات الاحتياطي الفيدرالي لكبح جماح التضخم المتصاعد، على الأرجح عن طريق تأجيل المزيد من خفض أسعار الفائدة، أو، إذا صدقت توقعات أسواق العقود الآجلة، رفعها بحلول نهاية العام.
قد يكون حساب البيت الأبيض أن الجمهور بحاجة إلى بعض التطمينات بأن الاحتياطي الفيدرالي سيُسمح له بأداء مهامه. لكن هنا تكمن نقطة تحول مقلقة واجهها سلف ترمب، جو بايدن، والمرشحة الديمقراطية كامالا هاريس، في الفترة التي سبقت انتخابات 2024.
على الرغم من انتعاش الاقتصاد وسوق الأسهم، وتراجع التضخم وانخفاض معدل البطالة، تراجعت ثقة المستهلكين ونسب تأييد الإدارة بشكل حاد قبل الانتخابات، وظلت "تكلفة المعيشة" على رأس قائمة شكاوى الناخبين. ذُكر سببان اقتصاديان بشكل متكرر.
أولًا، على الرغم من انخفاض معدل التضخم إلى النصف تقريبًا مقارنةً بذروته في 2022 بحلول موعد الانتخابات، فإن الارتفاع التراكمي في الأسعار على مدى السنوات الأربع الماضية لا يزال يثير استياء الأسر التي لم تواكب زيادات أجورها هذا الارتفاع. وبغض النظر عن معدل ارتفاع الأسعار، فقد ارتفعت مؤشرات أسعار المستهلك 17% خلال فترة رئاسة بايدن، ثم ارتفعت بنسبة 4% أخرى منذ عودة ترمب.
ثانيًا، تشمل تكلفة المعيشة الحقيقية، في نظر معظم الناس، ارتفاع تكاليف الاقتراض - وهو الحل الذي يلجأ إليه الاحتياطي الفيدرالي للسيطرة على التضخم العام.
في ورقة بحثية صدرت 2024، قام الاقتصاديون لاري سامرز ومارين بولهويس وجود كريمر بتوضيح كيف أثرت "تكلفة المعيشة الحقيقية" هذه على معنويات الأسر على مر السنين. وهذا يُعقّد أي تقييم لمعاناة الناخبين من خلال رصد كل من التضخم وعلاجه بارتفاع أسعار الفائدة.
وكتبوا: "بالنسبة إلى المستهلكين، تُعد تكلفة المال جزءًا من تكلفة المعيشة".
ارتفع مؤشر تكلفة المعيشة "البديل"، الذي يشمل قروض المنازل الجديدة وتمويل السيارات وتكاليف اقتراض بطاقات الائتمان، بنسبة 14% في عام 2023، على الرغم من ارتفاع مؤشرات أسعار المستهلكين بنسبة تزيد قليلاً على 4%.
هذا العام، ارتفعت معدلات اقتراض سندات الخزانة مع ارتفاع التضخم، وأعادت الأسواق النظر في إمكانية اضطرار الاحتياطي الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع تكاليف اقتراض المستهلكين بشكل عام.
على الرغم من انخفاض أسعار الفائدة الفيدرالية بشكل ملحوظ عن أعلى مستوياتها في 2024، فإن متوسط تكاليف بطاقات الائتمان وقروض السيارات والرهن العقاري ذي السعر الثابت لا يزال أعلى بنسبة تزيد على 50% مما كان عليه قبل جائحة كوفيد-19.
بإضافة معدل اقتراض سندات الخزانة القياسي لأجل 10 سنوات إلى ما يُسمى بمؤشر البؤس، الذي يجمع بين التضخم والبطالة، يصل المؤشر الآن إلى أعلى مستوى له منذ فبراير 2023.
قد يشعر الاحتياطي الفيدرالي بضرورة التحرك الآن لكبح جماح توقعات التضخم واستعادة مصداقيته في تحقيق هدف 2% الذي لم يحققه لسنوات. تُدرك الأسواق بوضوح المنطق والمخاطر، حتى وإن لم يتفق الجميع. لكن في ظل ما يراه صناع السياسات صوابًا، قد تتفاقم التداعيات السياسية بين الأمريكيين، حتى وإن نجح تشديد السياسة النقدية من قبل الاحتياطي الفيدرالي في كبح التضخم في نهاية المطاف.
في بعض النواحي، قد يجد ترمب نفسه في موقف لا يُحسد عليه سواء أيّد هذا الإجراء أم لا. فدعمه لإجراءات الاحتياطي الفيدرالي المتأخرة والحازمة للسيطرة على التضخم في عامي 2022 و2023 لم يُحسّن بالتأكيد من شعبية بايدن، لكن يبقى من الصعب التكهن بمدى استقرار معدل التضخم لو لم يتدخل الاحتياطي الفيدرالي. لم يتخذ أي إجراء. بالنسبة إلى ترمب، قد يكون إغراء العودة إلى استخدام الاحتياطي الفيدرالي ككبش فداء لسخط الرأي العام على الاقتصاد أكبر من أن يتحمله في نهاية المطاف.
كاتب اقتصادي ومحلل مالي في وكالة رويترز
