الأحد, 8 نوفمبر 2026|27 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية


هيفاء خالد

إذا كانت المنشآت السياحية تُحاسَب على مخالفاتها، فمن يُحاسَب حين يمرّ عيب قابل للاكتشاف في تقرير التفتيش رغم مراجعته، ويُبنى عليه جزاء؟

ومن متطلبات التقسيط الذي أعلنت عنه وزارة السياحة "ثبوت الغرامة على المنشأة من الناحية النظامية". غير أن استقرار القرار لا يحسم سلامته؛ فلائحة التفتيش تُلزم المفتش بتحري دقة تقريره ومرفقاته والتحقق بنفسه مما يستند إليه، ووفقًا لدليل الإجراءات، تراجع الإدارة العامة للرقابة والتفتيش التقرير قبل اعتماده، أو تطلب استكماله أو معالجة ملاحظاته أو إعادة التفتيش. فهل تقيّم الوزارة فاعلية هذه المراجعة دوريًا، وتعيد فحص التقارير عند ظهور مؤشرات خلل في القرارات المبنية عليها، وتراجع تلك القرارات، حتى المستقرة منها، لكشف عيوبها المحتملة وأسبابها ومعالجة آثارها؟

وثبوت المخالفة لا يضمن سلامة الضبط أو التحقيق أو الإثبات أو التكييف أو العقوبة أو نظر التظلم. فلائحة التفتيش تنظم الجزاءات الفورية والإحالة إلى اللجنة، ويحدد الدليل عناصر القرار الفوري. وتلزم لائحة اللجنة أمانتها بفحص الموضوعات وطلب استكمال مرفقاتها وأرشفة الأحكام القضائية، وتحدد عناصر قرارات اللجنة وأسبابها. ويضبط جدول المخالفات والعقوبات الإنذار ومهل التصحيح والتدرج والتكرار وفق القواعد السارية حينها. فهل تُراجع قرارات الإدارة واللجنة للتحقق من الالتزام بهذه الضوابط، وتُحلَّل الأحكام القضائية لكشف أوجه الخلل ومنع تكرارها؟

وماذا عن أعمال الشركات والجهات الفنية المستعان بها؟ كيف تُقيّم سلامة أعمالها والتزامها بحدود صلاحياتها وضوابط التفتيش؟ ومن يفحص شكاوى المنشآت من الإخلال بضمانات التفتيش؟ وهل يُكتفى بالرصد لإثبات المخالفة دون تحقق، أو يُرتَّب على التقييم الخفي أثر مباشر تحظره اللائحة؟قد يبدأ الخلل قبل التفتيش عند معالجة شكاوى السياح؛ فالمادة (19) من لائحة التفتيش توجب تبليغ المنشأة بالشكوى وما أُرفق بها للرد والمعالجة، ويحدد الدليل مهلة الرد بـ24 ساعة، ولإدارة الرقابة والتفتيش تعديلها بحسب الحالة. لكن بعض التبليغات تمهل المنشآت ساعات، وقد تصل بعد منتصف الليل دون موجب ظاهر للاستعجال؛ فمن يحدد هذه المهل فعليًا، ومن يراجع توقيت التبليغات ومدى ملاءمتها لطبيعة الشكوى؟

وقد تعجز المنشأة عن الرد رغم استعدادها إن ضاقت المهلة عن فحص الوقائع والمستندات. وإذا انقضت دون رد، أو لم تقتنع الوزارة بالرد والمعالجة، أوجبت اللائحة تكليف مفتش للتحقق من الشكوى؛ فعدم الرد لا يثبت صحة الشكوى، ولا يغني عن التحقق من سلامة التبليغ والمهلة وأركان المخالفة المنسوبة للمنشأة. لكن هل تُحرَّر تقارير التفتيش قبل إجرائه أو استكمال التحقق؟ وكم غرامة فُرضت لعدم الرد خلال هذه المهل، وهل فُحص أثر الخلل المحتمل على سلامة التحقق والجزاء؟

والاعتراض لا يغني عن المراجعة المؤسسية؛ فانقضاء مهلته قد يحصّن القرار من الطعن، دون أن يثبت سلامة إجراءاته. فإذا ألغت الإدارة جزاءً أو عدّلته، أو استبعدت لجنة النظر مخالفةً، أو ألغى القضاء قرارًا، فلماذا؟ وهل أمكن كشف العيب بالمستندات المتاحة حينها؟ ومن كان عليه كشفه، وهل سببه تقصير فردي أم قصور المراجعة أم خلل في التفسير أو الإجراء؟ فإذا ظهرت مؤشرات تكراره، فهل تمتد المراجعة إلى القرارات المماثلة ولو لم يُعترض عليها؟

تقوّم المراجعة الداخلية، وفق لائحتها الموحدة، الرقابة وتتحقق من الالتزام بالأنظمة ووضوح السلطات والمسؤوليات. وينبغي أن تتولى التقييم جهة مستقلة عن الضبط ومراجعة التقارير ونظر المخالفات وإصدار الجزاءات؛ فتفحص أعمال إدارة الرقابة والتفتيش ولجنة النظر وأمانتها، وإجراءاتهما وقراراتهما، وأعمال الجهات المستعان بها ومدى إشراف الإدارة عليها، وتحلل أسباب الأحكام القضائية بشأن قراراتهما.

وأعلنت الوزارة تنفيذ 51,413 زيارة رقابية، ورصد 31,751 مخالفة، ومعالجة 42,536 شكوى خلال عام 2024؛ فأين مؤشرات الأداء عن الالتزام بضمانات التفتيش، وسلامة التقارير وأعداد ما أُعيد منها وأسباب إعادتها، والقرارات الملغاة أو المعدلة وأسبابها، وجودة معالجة شكاوى المنشآت واعتراضاتها، ونتائج المساءلة عند ثبوت التقصير، وقيمة الغرامات المصححة والمبالغ المستردة؟ وأين نتائج التقييم بشأن أسباب الأخطاء المكتشفة، والتغييرات في الإجراءات والتفسير والتدريب والمساءلة، وفاعليتها في منع تكرارها؟ المطلوب نشر بيانات إجمالية تحفظ سرية المستثمرين ومنازعاتهم.

لكن نشر النتائج وتحسين الإجراءات مستقبلًا لا يعالجان آثار أخطاء سابقة. وحذّر الدكتور محمد آل عباس، نائب رئيس اللجنة المالية والاقتصادية بمجلس الشورى آنذاك، من تغليب الإيرادات على الامتثال، وأثار إشكالات معالجة الغرامات عند قبول الاعتراضات ("الاقتصادية"، 28 أكتوبر 2023). وتنظم اللائحة التنفيذية لنظام إيرادات الدولة إجراءات استبعاد المبالغ من حساب الإيرادات، وفق المستندات والموافقات المختصة.

قد يخفف التقسيط عبء الغرامة المستحقة، لكن الأجدر مراجعة قرارات فرض الغرامات السابقة وتصحيح ما يثبت عيبه منها وفق النظام، واستكمال إجراءات رد المبالغ غير المستحقة بالتنسيق مع الجهات المختصة. فعدالة الرقابة أساس الثقة الاستثمارية، وتبدأ بمساءلة الجهة عن قراراتها كما تُساءل المنشآت عن مخالفاتها. وإذا كانت الوزارة تعلن ما ترصده من مخالفات المنشآت، فمتى تعلن ما تكشفه مراجعتها من أخطاء التفتيش والجزاءات، وما تصححه من قرارات، وما تتخذه لإعادة الحقوق إلى أصحابها؟

كاتبة متخصصة في قطاع السفر والسياحة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية