الخميس, 13 أغسطس 2026|28 صَفَر 1448
الاقتصادية

قبل سنوات، كان إنجاز معاملة حكومية يتطلب زيارة الجهة، والانتظار، والانتقال بين أكثر من مكتب، وربما العودة في يوم آخر لاستكمال ورقة ناقصة أو توقيع لم يتم. أما اليوم، فأصبح من الطبيعي أن تنجز كثيرًا من معاملاتك من هاتفك، وفي أي وقت، دون أن تعرف حتى أين يقع مقر الجهة التي تقدم لك الخدمة. هذا التحول لم يحدث فجأة، ولم يكن مجرد تحويل النماذج الورقية إلى شاشات إلكترونية، بل كان نتيجة عمل تراكمي امتد لسنوات، بقيادة جهات وخطة إستراتيجية تحولية بُنيت خلاله بنية رقمية متقدمة، ومنصات وطنية، وهويات رقمية، وأنظمة مترابطة أصبحت جزءًا من الحياة اليومية للمواطن والمقيم وقطاع الأعمال.

ومنذ إطلاق الرؤية، أصبح التحول الرقمي جزءًا لا يتجزأ منها، وليس مشروعًا يخص إدارات تقنية المعلومات فقط. حتى وصلت المملكة اليوم إلى مراحل متقدمة عالميًا في فضاء الحكومة الرقمية؛ وتَوّج ذلك حصولها على المرتبة الثانية عالميًا والأولى إقليميًا في مؤشر نضج الحكومة الرقمية (GTMI) لعام 2025 الصادر عن مجموعة البنك الدولي بنتيجة استثنائية بلغت 99.64%.

ولم يكن هذا التميز وليد الصدفة، بل جاء متناغمًا مع قفزة نوعية في مؤشر الأمم المتحدة لتطور الحكومة الإلكترونية في العام السابق، حيث حلت المملكة في المركز السادس عالميًا من بين 193 دولة، محققةً ريادة مشهودة في الخدمات الرقمية والمشاركة الإلكترونية.

إن هذه الإنجازات لم تعد مجرد أرقام في تقارير دولية، بل انعكاف لتجربة حقيقية يعيشها المواطن والمقيم يوميًا في كفاءة الخدمات الحكومية. ولعل المحرك الرئيس وراء هذا التقدم المتسارع هو رؤية السعودية 2030، التي لم تتعامل مع التقنية كقطاع مستقل أو أداة مساندة، بل جعلتها مُمكّنًا إستراتيجيًا وعصبًا أساسيًا لتحقيق مستهدفاتها الطموحة.

وفي السنوات الماضية ومع التقدم السريع الملحوظ في التقنية ظهرت تحديات أكثر. وكلما ظهر مفهوم جديد، ظهرت معه مبادرات تحولية لتبني هذا المفهوم. و كمستخدم نهائي للخدمات عندما تحتاج إلى تنفيذ معاملة حكومية، فأنت غالبًا لا تهتم كثيرًا باسم الجهة التي وضعت معيار البيانات، أو الجهة التي أصدرت الضوابط، أو الجهة التي تقود التحول الرقمي، أو الجهة التي تدعم تبني أحدث التقنيات. ما يهمك في النهاية هو أن تعمل الخدمة، وأن تكون الإجراءات واضحة، وأن تنتهي معاملتك دون أن تدخل في رحلة بين المتطلبات والأنظمة وتعمل وفق أعلى المعايير وأحدث التقنيات.

وللوصول إلى هذا الهدف كان العمل يتطلب إلى إنشاء قطاعات متخصصة لمعالجة هذه التحديات أو التركيز على تفعيل تقنيات معينة بشكل أسرع، حيث بدأنا بتقنية المعلومات والاتصالات، ثم الحكومة الرقمية، ثم الأمن السيبراني، ثم البيانات، ومن ثم الذكاء الاصطناعي وربما نرى قريبا جهة متخصصة في الحوسبة الكمومية.

فوجود جهات متخصصة في هذه المجالات أمر مهم، ولا أحد ينكر الحاجة إليه، لكن المشكلة تبدأ عندما تعمل كل جهة بمعزل عن الجهات الأخرى، وكأن الذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى بيانات، وكأن البيانات لا تحتاج إلى بنية تحتية، وكأن البنية التحتية لا تحتاج إلى أمن سيبراني، وكأن التحول الرقمي يمكن أن يتحقق دون تكامل الأنظمة والتشريعات والعمليات. الموقع أن جميع هذه المجالات مرتبطة ببعضها، وأي قرار في أحدها يؤثر مباشرة في بقية المجالات.

عندما تصدر كل جهة توجهاتها من زاويتها الخاصة، تجد الجهات الحكومية والشركات نفسها مطالبة بربط هذه التوجهات وفهم الأولويات بينها. وهنا تبدأ المشكلة، فتجد الجهات تضطر إلى تحمل تكاليف وأعباء إضافية حتى تتواءم مع هذه المتطلبات.وقد يكون هناك تعقيد أكثر على الجهات من ناحية الهيكلة والحوكمة والموارد البشرية ليتسنى لهم الالتزام بالمعايير المطلوبة. وبدل أن تركز الجهة على تنفيذ المشاريع التقنية، تبدأ بالبحث عن الإجابات لأسئلة معقدة وحلول لمشاكل مرهقة.

أما السوق، فالموضوع أشد مرارة بالنسبة للشركات. فالتزامات المطلوبة عليهم حتى يبقى منافس في السوق كثيرة. فيجب أن يأخذ تصاريح من كل الجهات المذكورة سابقا اذا رغبت الشركة في تنفيذ مشروع متكامل لأحد الجهات. وفي بعض الأحيان تتردد شركات التقنية في الاستثمار أو التقديم على مشاريع تقنية، ليس لأن الفرصة غير مجدية، ولكن لأن الاتجاه غير واضح والتكاليف مرتفعة، ومدد التنفيذ تطول لاحتياج إلى موائمة بين هذه الجهات وقد يتم تعديل على الحل أكثر من مرة حتى يتوافق مع التوجهات المختلفة. السوق يستطيع التعامل مع تنظيم صارم وواضح، لكنه يجد صعوبة في التعامل مع تنظيمات متعددة لا يجمعها مسار واحد.

خلال المرحلة السابقة كان من الطبيعي إنشاء جهات وقيادات متخصصة في هذه المجالات التقنية، للتركيز عليها وخلق فرص لها والرفع من نضجها وتبنيها. وكان ذلك التوجه صحيحًا وضروريًا، فالتخصص حقق أهدافه و قاد ملفات جديدة في وقت كانت فيه الخبرات محدودة والممارسات لا تزال في طور التأسيس. لكن الحل الذي كان مناسبًا لمرحلة التأسيس قد لا يكون هو الحل الأفضل للمرحلة المقبلة.

فجميع هذه المجالات أصبحت اليوم متداخلة إلى درجة يصعب معها التعامل مع كل مجال بصورة مستقلة ، فالذكاء الاصطناعي لا يعمل دون بيانات، والبيانات لا تعمل دون بنية تحتية رقمية، والبنية التحتية لا تعمل دون أمن سيبراني، والحكومة الرقمية لا تنجح دون تكامل الأنظمة والعمليات والتشريعات. وعندما تعمل كل جهة من زاويتها الخاصة، قد تجد الجهات الحكومية والشركات نفسها أمام توجهات متعددة ومتطلبات متداخلة. وقد يكون لكل جهة هدف صحيح، لكن مجموع هذه الأهداف لا يصنع بالضرورة اتجاهًا واحدًا.

هنا تظهر الحاجة إلى الانتقال من مرحلة التخصص إلى مرحلة التكامل. حيث في هذه المرحلة نحتاج إلى مظلة واضحة ومتخصصة تنسق بين هذه الجهات، وتحدد المسؤوليات، وتمنع تكرار الأدوار، وتحسم التعارضات قبل أن تصل إلى الجهات الحكومية أو الشركات. لقد ساعد تعدد الجهات المتخصصة في الوصول بنا إلى مستوى متقدم، لكن استمرار النموذج نفسه قد يزيد من التعقيد خلال المرحلة المقبلة. فما نحتاج إليه اليوم ليس إنشاء جهة جديدة مع كل تقنية جديدة، بل تطوير نموذج قادر على استيعاب التقنيات الجديدة وربطها بما سبقها. بعض الدول اكتشفت أخيرا هذه المعضلة وبدأت فعليا في التوجه نحو هذا الحل. 

مرحلة البناء احتاجت إلى التخصص و نحن في مرحلة النضح والتي تتطلب التكامل لضمان زيادة النمو والاستمرارية.  فكثرة الجهات قد تعني مزيدًا من التخصص، لكنها إن لم تعمل في اتجاه واحد، ستتعثر المنظومة كاملة ويتم هدم ماتم بنائه مسبقا.

مستشار تقنية معلومات وعضو معتمد لمجالس الإدارات. الرئيس التنفيذي لتقنية المعلومات في "كافد "

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية