الجمعة, 9 أكتوبر 2026|26 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

لم تعد تطبيقات توصيل الطلبات مجرد وسيلة تقنية تربط المطعم أو المتجر بالمستهلك؛ بل أصبحت جزءًا أساسيًا من الاقتصاد اليومي للمملكة، وقطاعًا واسعًا يوفر فرصًا للدخل والعمل، ويخدم ملايين المستهلكين والمنشآت. وقد أظهرت بيانات الهيئة العامة للنقل أن قطاع توصيل الطلبات سجل أكثر من 101 مليون طلب خلال الربع الثاني من عام 2025، وكان نصيب منطقة الرياض وحدها أكثر من 45.6 مليون طلب. 

هذا الحجم الكبير يجعل السؤال متعلقًا بكيفية حوكمة الاقتصاد الذي نشأ حولها: كم يذهب إلى السائق؟ وكم تحصل عليه المنصة؟ وهل يحصل مقدم الخدمة الفعلي على نصيب عادل من القيمة التي يصنعها؟

لقد اتخذت المملكة خطوات مهمة لتنظيم القطاع؛ فقد أصدرت الهيئة العامة للنقل في عام 2024 مجموعة من القرارات التنظيمية شملت تنظيم عمل السائقين، والتحقق من الهوية، وضوابط الدراجات النارية، وإجراءات تهدف إلى رفع الجودة والأمان. كما شملت التنظيمات انتقال غير السعوديين العاملين في نشاط توصيل الطلبات تدريجيًا للعمل عبر شركات النقل الخفيف. المرحلة المقبلة تستحق الانتقال من تنظيم النشاط إلى حوكمة نموذج العمل نفسه.

السائق شريك في القيمة وليس مجرد تكلفة

المعادلة التقليدية في بعض نماذج اقتصاد المنصات تقوم على أن التطبيق يمتلك العميل والنظام والدفع، ثم يحدد آلية توزيع قيمة الطلب، بينما يتحمل السائق جزءًا كبيرًا من تكاليف التشغيل والمخاطر: السيارة، الوقود، الصيانة، الإطارات، التأمين، الوقت، والانتظار. وهنا تظهر الحاجة إلى نموذج أكثر توازنًا.

المقترح ليس إلغاء دور الشركات أو تقليل جاذبية الاستثمار في التقنية، بل إعادة تعريف العلاقة بين المنصة والسائق والمستهلك والمنشأة بحيث تصبح المنصة وسيطًا تقنيًا يقدم خدمة ذات قيمة، بينما يحصل السائق على نصيب واضح ومعلن من قيمة العملية التي ينفذها.

وبدلًا من أن تكون العمولة مفتوحة أو غير واضحة بالنسبة للسائق، يمكن دراسة نموذج تنظيمي يقوم على اشتراك شهري ثابت للسائق مقابل استخدام المنصة، مع تحديد حد أعلى معقول للاشتراك، ومنع تحصيل نسبة متغيرة من كل طلب من السائق، أو تنظيمها بشكل واضح إذا كانت هناك خدمات إضافية فعلية.

وفي المقابل، تكون للسائق نسبة محددة من قيمة أجرة التوصيل، تظهر له قبل قبول الطلب، بحيث يعرف مسبقًا كم سيحصل عليه وكم ستذهب للمنصة وأي طرف آخر.

هدف 10 آلاف ريال شهريًا

لا يكفي أن نقول لابد أن الهدف السائق السعودي؛ السؤال الأهم هو: هل يوفر النشاط دخلًا اقتصاديًا مجديًا؟

لذلك يمكن أن تتجه الحوكمة الجديدة إلى وضع مستهدف دخل تشغيلي للسائق السعودي لا يقل عن 10 آلاف ريال شهريًا لمن يستوفي حدًا معينًا من ساعات العمل والطلبات، مع مراعاة تكاليف التشغيل.وهذا لا يعني بالضرورة فرض راتب موحد قدره 10 آلاف ريال على كل سائق، لأن طبيعة العمل الحر تختلف عن الوظيفة التقليدية. وإنما يمكن بناء معادلة واضحة.

فإذا عمل السائق وفق ساعات محددة وحقق حجمًا معينًا من الطلبات، فينبغي أن تكون آلية التسعير قادرة على تمكينه من الوصول إلى دخل شهري مستهدف لا يقل عن 10 آلاف ريال قبل احتساب تكاليف السيارة، أو بعد احتسابها بحسب النموذج التنظيمي الذي تعتمده الجهات المختصة. وهنا يصبح التوطين توطينًا اقتصاديًا حقيقيًا وليس مجرد نسبة في قاعدة بيانات.

المبدأ الثاني الذي يحتاج إلى نقاش جاد هو الفصل بين ملكية العميل وملكية المنصة وقيمة العمل.

ليس من المنطقي اقتصاديًا أن يتحمل السائق تكلفة المركبة والوقود والوقت، ثم لا يعرف بصورة شفافة كيف توزع قيمة الرحلة. لذلك يمكن إلزام التطبيقات بإظهار عناصر العملية للسائق قبل قبولها، ومنها:

قيمة أجرة التوصيل، المسافة المتوقعة، الزمن التقديري، نصيب السائق، أي رسوم أو حوافز، المبلغ الذي تحصل عليه المنصة، أي خصومات مرتبطة بالعميل أو المنشأة. وتصبح الشفافية جزءًا من شروط الترخيص، كما هو الحال في القطاعات المنظمة.

المنافسة الصحية بين التطبيقات يمكن أن تكون في مصلحة الجميع. فإذا كان السائق يستطيع الانتقال بين أكثر من منصة دون أن يفقد جزءًا كبيرًا من دخله أو يتعرض لعقوبات غير مبررة، فإن التطبيقات ستتنافس على جذب السائق كما تتنافس اليوم على جذب المستهلك.

وهذا قد ينتج عنه سوق أكثر كفاءة: التطبيق الأفضل تقنيًا وخدميًا يجذب السائقين والعملاء، وليس التطبيق الذي يستطيع فرض أعلى نسبة من قيمة الطلب. كما يمكن السماح للسائق السعودي بالعمل على أكثر من منصة وفق ضوابط واضحة، ما دام ملتزمًا بأنظمة العمل والنقل والتأمين والسلامة.

التوطين يبدأ من الدخل

نجاح التوطين لا يقاس فقط بعدد السعوديين المسجلين في التطبيقات، وإنما بعدد الذين يستطيعون الاستمرار في النشاط وتحقيق دخل مستدام.

ومن هنا يمكن أن تصبح المنظومة المقترحة قائمة على 3 مؤشرات:

نسبة التوطين، ومتوسط دخل السائق، ومعدل الاستمرار في النشاط.

فإذا ارتفعت نسبة السعودة بينما انخفض دخل السائق أو خرج السعوديون من النشاط بعد فترة قصيرة، فإن الهدف الاقتصادي لم يتحقق بالكامل.

كما يمكن ربط العقود والبيانات ذات العلاقة بالمنظومات الحكومية ذات الصلة؛ خصوصًا أن وزارة الموارد البشرية بدأت منذ أبريل 2026 في الاعتماد على العقود الموثقة إلكترونيًا عبر منصة «قوى» في احتساب نسب التوطين، بما يعزز موثوقية بيانات سوق العمل. 

ولهذا فإن المطلوب ليس وضع قيود تؤدي إلى تراجع الاستثمار أو ارتفاع أسعار التوصيل، وإنما إعادة تصميم العلاقة الاقتصادية بين أطراف المنظومة.

الشركة تحصل على مقابل عادل مقابل التقنية والتسويق وإدارة الطلبات والدفع وخدمة العملاء. والمطعم أو المتجر يحصل على خدمة توزيع فعالة. والمستهلك يحصل على سعر واضح. والسائق يحصل على نصيب عادل من القيمة التي ينتجها.

إن مستقبل تطبيقات التوصيل في السعودية ينبغي أن ينتقل من مفهوم “السائق يعمل لدى التطبيق” إلى مفهوم أكثر توازنًا هو “السائق شريك في اقتصاد المنصة”. وحين يصبح السائق السعودي قادرًا، وفق نموذج عمل واضح وساعات عمل معقولة، على استهداف دخل شهري يبلغ 10 آلاف ريال أو أكثر، مع شفافية كاملة في توزيع قيمة الطلب، فإن التوطين لن يكون مجرد قرار إداري، بل سيتحول إلى فرصة اقتصادية حقيقية.

كاتب اقتصادي

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية