في السابع عشر من يوليو 2026، قدمت المفوضية الأوروبية مقترحاً لمراجعة نظام تداول الانبعاثات الأوروبي. ولا يقتصر أثر هذا المقترح على المصانع الواقعة داخل الاتحاد، إذ قد يمتد ابتداء من 2029 إلى الرحلات المغادرة من أوروبا نحو وجهات تقع على مسافة تقل عن 5 آلاف كيلومتر من مطار فرانكفورت، وهو نطاق يشمل وجهات رئيسة في الخليج. لذلك لا تمثل المراجعة شأناً أوروبياً داخلياً، بل تطوراً قد يؤثر في تكلفة الصادرات والطيران والاستثمار في المنطقة.
قرأت بعض التعليقات المقترح بوصفه تراجعاً عن الطموح المناخي تحت ضغط أسعار الطاقة وتراجع تنافسية الصناعة. غير أن النص يكشف عن تحول أكثر أهمية. فأوروبا لا تتخلى عن تسعير الكربون، بل تعيد توظيفه ليصبح أداة للسياسة الصناعية وتوجيه رأس المال، بحيث يتقدم هذا الدور تدريجياً في تحديد أولويات النظام.
يقوم نظام التداول على تحديد سقف إجمالي لانبعاثات القطاعات المشمولة، ثم إصدار حصص يسمح كل منها بإطلاق طن واحد من مكافئ ثاني أكسيد الكربون. ويقل عدد الحصص سنوياً وفق نسبة تسمى «معامل التخفيض الخطي»، فتضطر المنشآت إلى خفض انبعاثاتها أو شراء حصص إضافية.
يقترح التعديل خفض هذا المعامل من 4.3% حالياً، مع ارتفاع طفيف مقرر قبل نهاية العقد، إلى 3.7% ابتداء من 2031، ثم إلى 1.7% من 2036. وهذا لا يعني إلغاء سقف الانبعاثات، بل استمرار انخفاضه بسرعة أبطأ، بما يؤجل وصول إصدار الحصص الجديدة إلى مستوى قريب من الصفر من نحو 2039 إلى نحو 2048.
الدلالة الاقتصادية واضحة. فالاتحاد يمنح صناعاته الثقيلة وقتاً أطول للتحول، بعدما تبين أن تقليص الحصص وفق المسار السابق قد يسبق توافر التقنيات النظيفة والبنية التحتية والتمويل اللازم. ومع أن هذا التخفيف يفترض نظرياً خفض سعر الحصة، ارتفع السعر في الأيام التالية للإعلان بنحو 7 يوروهات، ووصل في بعض التداولات إلى نحو 86 يورو. ويبدو أن السوق لم تقرأ زيادة المعروض وحدها، بل قرأت أيضاً تأكيداً على استمرار النظام إلى ما بعد أفقه السابق وتحوله إلى بنية دائمة.
غير أن التحول الأهم لا يكمن في سرعة خفض السقف، بل في الشروط الجديدة المرتبطة بالحصص المجانية. فقد كانت هذه الحصص تمنح للصناعات الأوروبية لحمايتها من «تسرب الكربون»، أي انتقال المصانع والاستثمارات إلى دول تقل فيها تكلفة الامتثال. أما المقترح الجديد فيجعل الحصول على التخصيص المجاني الكامل مشروطاً بإعداد خطة مدققة للاستثمار في إزالة الكربون داخل الاتحاد، وباستثمار مبلغ يعادل 100% من قيمة الحصص المجانية في مشروعات مؤهلة داخل أوروبا.
هذا الرقم يحسم طبيعة التحول. فمن منظور المناخ، لا يختلف طن يخفض في الرياض عن طن يخفض في بافاريا، متى كان التخفيض حقيقياً وقابلاً للقياس والتحقق. أما اشتراط استثمار كامل قيمة الميزة داخل الاتحاد، فيكشف عن أن الغرض لم يعد بيئياً فقط، بل يشمل الاحتفاظ برأس المال والتقنيات والوظائف الصناعية داخل السوق الأوروبية. وبذلك تنتقل الحصة المجانية من تعويض عن عبء تنظيمي إلى أداة لتوطين الاستثمار. ويثير هذا التحول أسئلة في القانون التجاري الدولي حول التكييف القانوني لميزة حكومية مرتبطة بمكان الإنفاق، ولا سيما إذا اقترنت بحماية جمركية كربونية ودعم مالي موجه للصناعة المحلية.
ويتكامل ذلك مع بنك لإزالة الكربون الصناعي يستهدف حشد نحو مئة مليار يورو، ومع أداة تحفيز استثماري تمول من عوائد 400 مليون حصة، بقيمة تقدر بنحو 30 مليار يورو. كما يقترح توجيه نصف إيرادات النظام على الأقل إلى إزالة كربون الصناعات المشمولة. وهكذا تتحول إيرادات الكربون من مورد مالي عام إلى صندوق صناعي موجه بحكم القانون.
أما بالنسبة إلى المصدرين، فإن تمديد الإنهاء التدريجي للحصص المجانية في القطاعات المرتبطة بآلية تعديل حدود الكربون من 2034 إلى 2038 يعني أن العبء المالي على صادرات الحديد والألمنيوم والأسمدة والأسمنت قد يكون أخف خلال السنوات المقبلة مما كان مقرراً سابقاً. لكنها مهلة وليست إعفاء. فالمنتج الأوروبي سيواصل الحصول على الحصص المجانية، ويستفيد في الوقت نفسه من تمويل التحول الصناعي، بينما يؤجل الضغط الكامل على المنافس الأجنبي إلى نهاية العقد المقبل.
ويظهر الامتداد الخارجي بصورة أوضح في الطيران. فإذا أقر المقترح بصيغته الحالية، فسيمتد النظام ابتداء من 2029 إلى الرحلات المغادرة من المنطقة الاقتصادية الأوروبية نحو المطارات الواقعة على مسافة تقل عن 5 آلاف كيلومتر من فرانكفورت. وتشير التقديرات الأولية إلى دخول وجهات خليجية رئيسة ضمن هذا النطاق، بما قد يضيف تكلفة كربونية إلى الرحلة المغادرة من أوروبا دون تطبيق مماثل على الرحلة العائدة إليها.
وقد يؤثر هذا التفاوت في تنافسية شركات الطيران والمطارات المحورية وحركة الترانزيت. كما يعيد النقاش القانوني الذي ظهر في 2012، عندما واجهت محاولة توسيع النظام إلى الطيران الدولي اعتراضات واسعة. ويحاول المقترح الحالي التنسيق مع مخطط كورسيا التابع لمنظمة الطيران المدني الدولي، لكن اختيار نطاق جغرافي يبدأ من فرانكفورت يعيد طرح السؤال حول حدود الاختصاص التنظيمي الأوروبي.
وفي مقابل القيود الجديدة، يفتح المقترح فرصة خارجية مهمة. فمن 2036 إلى 2040، يقترح إنشاء مرفق أوروبي لشراء ما يصل إلى 260 مليون رصيد دولي عالي النزاهة بموجب المادة السادسة من اتفاق باريس، بما يعادل نحو 2% من صافي انبعاثات الاتحاد في سنة الأساس. ولا يعني ذلك أن الطلب سيبدأ قريباً، لكنه يعني أن معايير الأرصدة المؤهلة ستتحدد قبل بدء الشراء بسنوات.
وهنا تكمن الفرصة الحقيقية للدول الخليجية. فالسبق لن يكون لمن يصدر أكبر عدد من الأرصدة، بل لمن يشارك مبكراً في صياغة معايير النزاهة، ويطور مشروعات مدعومة بقياس وإبلاغ وتحقق موثوق، ويمنع الازدواج في احتساب التخفيضات.
ولا يزال المقترح خاضعاً للتفاوض بين البرلمان الأوروبي والمجلس. ولذلك فإن انتظار صدور النص النهائي قبل دراسة أثره سيحول الدول المتأثرة إلى متلقية للتكلفة. أما المشاركة الآن، من خلال منظمة التجارة العالمية، ومنظمة الطيران المدني الدولي، والحوارات الفنية والثنائية، فتمنحها فرصة للتأثير في تعريف الأرصدة المؤهلة ونطاق الطيران وشروط المنتجات منخفضة الكربون.
لقد أصبح الكربون أداة لتحديد مكان الاستثمار وتكلفة المنتج وشروط النفاذ إلى الأسواق. ومن يملك بيانات موثوقة ومعايير معترفاً بها، يملك قدرة أكبر على التفاوض. أما من ينتظر حتى تكتمل القواعد، فقد يجد نفسه أمام تكلفة صاغها الآخرون.
مستشارة في الشؤون الدولية والإستراتيجيات العالمية
