الخميس, 5 نوفمبر 2026|24 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

تتزايد المخاطر التي تهدد النمو الاقتصادي العالمي، في وقت بدأت فيه موجة البيع الحادة لأسهم شركات الذكاء الاصطناعي تثير تساؤلات بشأن قدرة هذه الطفرة على مواصلة دعم الأسواق والاقتصادات الكبرى. فبعد سنوات من الصعود القياسي، قد يتحول تراجع أسهم التكنولوجيا إلى عامل ضغط إضافي على الاستهلاك والاستثمار، وربما يدفع اقتصادات رئيسية نحو الركود إذا اتسعت خسائر الأسواق واستمر تباطؤ النمو.

ولا يزال من المبكر الجزم بأن عمليات البيع الحالية ستتحول إلى أزمة أعمق. فمنذ أربع سنوات، لم يشهد مؤشر «إس آند بي 500» سوى تراجع واحد تجاوز 10%، عندما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في أبريل 2025 فرض رسوم جمركية ضمن ما أطلق عليه «يوم التحرير». لكن ذلك الهبوط كان قصير الأمد.

وفي الوقت الراهن، يتراجع المؤشر بنحو 4% عن ذروته الأخيرة، مقابل انخفاض بلغ 10% في مؤشر «ناسداك». وقد يكون هذا التراجع مجرد فرصة جديدة للشراء عند الانخفاض، على غرار موجات سابقة أعادت «وول ستريت» إلى مستويات قياسية. غير أن حدة عمليات البيع في أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى والقطاعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تشير إلى أن المخاوف ربما تتجاوز ردود الفعل على نتائج أعمال الشركات، لتشمل تساؤلات أعمق بشأن جدوى الاستثمارات الضخمة والعوائد المنتظرة منها.

الذكاء الاصطناعي محرك النمو العالمي

كان تأثير طفرة الذكاء الاصطناعي في صعود «وول ستريت» وأسواق الأسهم العالمية واضحاً، كما أسهمت في دعم الاقتصاد العالمي وتعويض جانب من تداعيات أزمات الطاقة والتضخم وتصاعد عدم اليقين الجيوسياسي. وبالتالي، فإن انحسار هذه الطفرة قد يحمل تداعيات اقتصادية واسعة، خصوصاً أن النمو في عدد من الاقتصادات المتقدمة لا يزال هشاً.

ويقدر آدم سلاتر، من مؤسسة «أكسفورد إيكونوميكس»، أن التأثيرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال عامي 2025 و2026 عززت نمو الناتج المحلي الإجمالي في 6 اقتصادات متقدمة بمتوسط 0.2 نقطة مئوية.

ولولا هذه المساهمات، لكان النمو الأساسي في تلك الاقتصادات قد راوح بين 0.5% و1% سنوياً. وفي الولايات المتحدة، بلغ النمو خلال الفترة نفسها 2.4%، وهو أداء جيد نسبياً، لكن سلاتر يقدر أن نحو ثلث هذا النمو ارتبط بالذكاء الاصطناعي. ولا يقتصر تأثير الطفرة على الإنفاق المباشر على التكنولوجيا، بل يمتد إلى ما يعرف بـ«تأثيرات الثروة»، الناجمة عن ارتفاع أسعار الأسهم وزيادة قيمة الأصول المالية للأسر.

تراجع الأسهم يهدد إنفاق المستهلكين

أسهم الصعود القوي في «وول ستريت»، المدفوع بطفرة الذكاء الاصطناعي، في رفع صافي ثروة الأسر الأمريكية، كنسبة من الدخل المتاح للإنفاق، إلى أعلى مستوى مسجل على الإطلاق. وتشكل الأسهم حالياً نحو 47% من الأصول المالية للأسر الأمريكية، و34% من إجمالي أصولها، وهي نسب قياسية في الحالتين.

وقد ساعد هذا الارتفاع على الحفاظ على مستويات الإنفاق الاستهلاكي، الذي يمثل المحرك الرئيس للاقتصاد الأمريكي، في وقت كان من المتوقع أن تؤدي زيادة التضخم وأسعار الطاقة إلى الحد من الإنفاق.

لكن تأثيرات الثروة يمكن أن تعمل في الاتجاه المعاكس أيضاً. إذ يشير تيفاني وايلدينج وأندرو بولز، من شركة «بيمكو»، إلى أن إعادة تقييم أسهم الذكاء الاصطناعي نحو مستويات أقل قد تترك أثراً سلبياً ملموساً على ثروة الأسر. وتتزايد أهمية هذا الخطر لدى الفئات الأعلى دخلاً، التي تتركز لديها ملكية الأسهم وحصة كبيرة من الإنفاق الاستهلاكي.

ويقدر خبراء الاقتصاد في «جولدمان ساكس» أن تأثيرات الثروة الإيجابية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عززت نمو الإنفاق الاستهلاكي الأمريكي بنحو 0.4 نقطة مئوية، بما يعادل 0.25% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الماضي.

وكان من المتوقع أن يتلاشى هذا الدعم تدريجياً، لكن استمرار تراجع الأسواق قد يؤدي إلى اختفائه بالكامل، ما يضعف أحد أبرز مصادر قوة الاقتصاد الأمريكي.

الصين وأوروبا.. نمو هش ومخاطر متزايدة

إذا كانت طفرة الذكاء الاصطناعي قد بلغت ذروتها بالفعل، فإن ذلك يأتي في توقيت بالغ الحساسية، في ظل ميل المخاطر المحيطة بالنمو العالمي خلال العام المقبل نحو الجانب السلبي. ففي الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لا يزال الطلب المحلي ضعيفاً بصورة مزمنة، بالتزامن مع استمرار أزمة القطاع العقاري للعام الخامس.

كما أن تراجع أسعار الأسهم للأسبوع الثاني عشر على التوالي، في سلسلة قياسية، لا يساعد على تحسين معنويات المستهلكين، وقد يزيد صعوبة تحقيق بكين نمواً سنوياً يراوح بين 4.5% و5% في العام المقبل.

وتبرز تساؤلات بشأن قدرة الصين على تحقيق عام ثالث من الصادرات القياسية، مع فائض تجاري يتجاوز تريليون دولار، في ظل ضعف الطلب العالمي، ومحدودية الأسواق القادرة على استيعاب هذه الفوائض. ولا تبدو أوروبا في وضع أفضل؛ إذ تواجه اقتصاداتها الكبرى آفاقاً هشة. فالاضطرابات السياسية والجمود المالي في فرنسا يهددان بإضعاف النمو في منطقة اليورو، بينما يتوقع أن يبلغ النمو في ألمانيا نحو 1%، كما خُفضت أخيرا توقعات النمو في بريطانيا لعام 2027.

الطاقة والتمويل يزيدان الضغوط

تواجه الشركات والمستهلكون حول العالم ضغوطاً متزايدة من ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الاقتراض. فقد أغلق خام برنت يوم الجمعة عند أعلى مستوى له في 6 أشهر، فيما سجلت أسعار الغاز الأوروبية أعلى مستوياتها منذ 4 سنوات. وفي الولايات المتحدة، تجاوزت أسعار الفائدة على الرهن العقاري 7%، بالتزامن مع اتساع هوامش تكلفة الاقتراض للشركات، خصوصاً ذات التصنيفات الائتمانية المنخفضة.

وفي هذا السياق، حذر آدم سلاتر من «أكسفورد إيكونوميكس» الأسبوع الماضي من أن ضعف النمو الأساسي في الاقتصادات المتقدمة يجعل احتمالات الركود كبيرة إذا تعرضت طفرة الذكاء الاصطناعي لتباطؤ حاد، وهو خطر وصفه بأنه حقيقي.

هل تنتهي طفرة الذكاء الاصطناعي؟

مع ذلك، لا يبدو أن انهياراً شاملاً في الإنفاق الرأسمالي الموجه إلى الذكاء الاصطناعي أو انهياراً كاملاً في الأسواق هو السيناريو الأكثر ترجيحاً. فبناء البنية التحتية اللازمة لهذه التكنولوجيا لا يزال في مراحله الأولى، شأنه شأن الثورة التقنية نفسها.

لكن السردية السائدة بشأن الذكاء الاصطناعي، ومشاعر المستثمرين تجاهه، بدأت تتغير. وتواجه شركات مثل «ميتا» و«أمازون» ضغوطاً من الأسواق بسبب توسعها الكبير في الإنفاق على هذه التكنولوجيا.

والمفارقة أن خفض الإنفاق قد لا يكون حلاً؛ فإذا قلصت الشركات توقعاتها الاستثمارية، فليس من المؤكد أن ترتفع أسهمها، في ظل تزايد شكوك المستثمرين بشأن مستقبل القطاع.

وعندما تبدو الأخبار سلبية في جميع الاتجاهات، تتزايد حالة القلق في الأسواق. وإذا تحول هذا القلق إلى موجة انهيار واسعة، فقد تتجاوز التداعيات حدود قطاع التكنولوجيا، لتصيب الاستهلاك والاستثمار والنمو العالمي. فالخطر الحقيقي لا يكمن بالضرورة في نهاية طفرة الذكاء الاصطناعي، بل في احتمال أن يحدث تباطؤها في وقت لم تعد فيه الاقتصادات الكبرى تمتلك هوامش واسعة لامتصاص صدمة جديدة.

كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية