إذا كان رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، يرحب بقيام الأسواق المالية ببعض مهام البنك المركزي، فمن المفترض أن يكون راضياً عن موجة البيع الأخيرة في أسواق الأسهم والسندات. ومع ذلك، فإن التشديد الذي شهدته الظروف المالية أخيرا لا يكفي بأي حال لإعفاء البنك المركزي من مسؤولياته.
لقد أوضح الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي مراراً أن سهولة الحصول على التمويل لا تظهر مؤشرات تذكر على وجود قيود يفرضها البنك المركزي، وذلك رغم مرونة الاقتصاد الذي يواصل تسجيل نمو سريع ومقلق في الأسعار.
وفي كلمته الرئيسية خلال مؤتمر "جاكسون هول" في أغسطس -وهي كلمة مهدت الطريق بوضوح لقرار الاحتياطي الفيدرالي الشهر الماضي برفع أسعار الفائدة لأول مرة منذ 3 سنوات- استعرض وارش جوانب تتعلق بالإقراض والائتمان وسلوك الأسواق، مشيراً إلى أن السياسة النقدية المتبعة آنذاك لم تكن صارمة بما يكفي.
وقال حينها: "بشكل عام، يصعب عليّ وصف الظروف المالية السائدة بأنها مقيدة".
ويطرح المستثمرون الآن تساؤلاً: هل لا يزال هذا التقييم صحيحاً؟ وهل أدى ارتفاع عوائد السندات، واتساع فروق أسعار الائتمان، وتقلبات أسواق الأسهم منذ أغسطس إلى تشديد الظروف المالية بما يكفي لجعل الاحتياطي الفيدرالي في موقف المراقب بدلاً من التدخل المباشر؟
ويبدو أن الإجابة هي: "ليس بعد".لكن من المرجح أن نشهد نوعاً من "لعبة القط والفأر" بين الأسواق وتوقعات الاحتياطي الفيدرالي، في ظل فترة قد تتسم بالاضطراب مع اقتراب نهاية العام.
الظروف المالية
يُعد "مؤشر الظروف المالية الوطنية" (NFCI) الصادر عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو أداةً لرصد الأثر الإجمالي للاضطرابات الأخيرة في الأسواق. فبحلول نهاية الأسبوع الماضي، وصل المؤشر إلى أعلى مستوياته (الأكثر تشدداً) منذ أبريل، بينما سجل المؤشر المقابل الصادر عن بنك "جولدمان ساكس" أعلى مستوياته منذ مارس. ويعكس هذا تزايد الصعوبات في الحصول على تمويل عبر الديون أو الأسهم، وذلك منذ أن بدأ الاحتياطي الفيدرالي في رفع أسعار الفائدة، ما دفع التوقعات بمزيد من الرفع خلال العام المقبل إلى مستويات أعلى.
وتعبيراً عن الضغوط التي يواجهها قطاع الرهن العقاري، انخفض مؤشر ثقة بناة المنازل -وفقاً للرابطة الوطنية لبناة المنازل- هذا الشهر إلى أدنى مستوى له منذ 14 عاماً ونصف. وعلى صعيد آخر، ارتفعت أسعار النفط الخام في العقود الآجلة بأكثر من 20% خلال الشهرين الماضيين، في حين صعد الدولار بنحو 3%.
ولطالما أسهمت مؤشرات الأسهم القوية -مدفوعةً بطفرة الذكاء الاصطناعي- في تعويض حالة التوتر في أسواق الائتمان والديون على مدار العام الماضي أو أكثر، لكن هذا الوضع تغير بدءاً من الأسبوع الماضي؛ إذ استقرت مؤشرات "إس أند بي 500" (S&P 500) و"ناسداك" (Nasdaq) -الذي يغلب عليه الطابع التكنولوجي- دون تغيير يُذكر منذ اجتماع "جاكسون هول".
وبالمثل، بدأت تقلبات الأسهم -التي يعكسها مؤشر "VIX" المعروف بـ "مؤشر الخوف"- في التصاعد، ما ينذر بمخاطر قادمة ويؤثر سلباً في الطروحات العامة الأولية وعمليات التمويل عبر الأسهم؛ حيث سجل المؤشر يوم الجمعة أعلى مستوى له في 4 أشهر.
كما شهدت سوق السندات -الذي تؤدي دوراً محورياً في التمويل عبر اتفاقيات إعادة الشراء (Repo)- ارتفاعاً ملحوظاً منذ أغسطس، لتعود إلى مستويات مارس. ومن الناحية النظرية، تؤدي قيم الأسهم المرتفعة إلى تيسير الظروف المالية من خلال "تأثير الثروة" (wealth effects)، والعكس صحيح. غير أن آلية احتساب "المؤشر الوطني للظروف المالية" (NFCI) الصادر عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو تكشف عن مواضع الضغط الحقيقية.
يتكون هذا المؤشر من 3 فئات رئيسية: المخاطر، والائتمان، والرافعة المالية. ويُعد مؤشر "VIX" جزءاً من فئة المخاطر، بينما ترتبط الائتمانات عالية المخاطر غالباً بأداء الأسهم، في حين تعتمد مؤشرات الرافعة المالية على نسب الدين إلى حقوق الملكية، وهي نسب شديدة الحساسية لأسعار الأسهم.
إن خطر حدوث انهيار في قلب قطاع الذكاء الاصطناعي -الذي يعتمد بشكل مكثف على الرافعة المالية، كما ظهر في حالة شركة "CoreWeave" الأسبوع الماضي- قد يمتد تأثيره بسرعة إلى ظروف التمويل الأوسع نطاقاً والمؤشرات التي ترصدها. وهذا يفسر سبب انتعاش سوق السندات بقوة -رغم تلقيها تقريرين مقلقين عن التضخم الأسبوع الماضي- وذلك في ظل مؤشرات على أن موجة الصعود المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، التي دعمت مؤشرات الأسهم الرئيسية، ربما تكون على وشك الانحسار.
ومع ذلك، يبدو أن نقطة التحول لا تزال بعيدة بعض الشيء؛ فبالرغم من أن مؤشر بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو وصل إلى أكثر مستوياته تقييداً منذ أبريل، فإننه لا يزال أقل بكثير من متوسطه على مدى الـ20 عاماً الماضية، وظل في نطاق "تيسيري" (غير مقيد) طوال السنوات الـ3 الماضية تقريباً.
هل الوضع أسوأ؟
لكن هناك مؤشرات أخرى حول الظروف المالية تشير إلى أن حالة التقييد الأخيرة قد تكون أكثر حدة. فقد ذكر مايك ويلسون، إستراتيجي الأسهم في "مورغان ستانلي"، وفريقه يوم الاثنين، أن مؤشرهم للظروف المالية (FCI) -الذي يجمع بين أسعار الفائدة، وقيمة الدولار، وأسعار الطاقة- قد بلغ أكثر مستوياته تقييداً منذ 2022. كما أشاروا إلى أن الأسهم الأكثر تأثراً بالدورة الاقتصادية قد فقدت نحو 10% من قيمتها منذ أغسطس. أن رفع أسعار الفائدة التالي لن يحدث قبل شهر ديسمبر.
لكن البعض رأى في تصريحاته خلال اجتماع صندوق النقد الدولي الأسبوع الماضي في بانكوك إشارةً إلى أنه لا يعتقد أن الاحتياطي الفيدرالي قد اتخذ بعد كل التدابير اللازمة لكبح التضخم.
وفي معرض حديثه عن قرار الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة في سبتمبر، قال وارش: "لقد سحبنا جزءاً من التيسير النقدي" - وهو ما يعني بوضوح أنه لم يتم سحب التيسير بالكامل، ما يشير إلى اعتقاده بأن الظروف لا تزال تتسم بقدرٍ مفرط من التيسير.
وإذا ما اختار الاحتياطي الفيدرالي عدم رفع أسعار الفائدة في الأسبوع المقبل -أي قبل 6 أيام فقط من انتخابات التجديد النصفي- فمن المرجح أن يتطلب الأمر حدوث صدمة إضافية كبيرة في الظروف المالية خلال الأسابيع الـ6 التالية، حتى يقرر صناع السياسات الإحجام عن رفع الفائدة بحلول نهاية العام.
كاتب عمود اقتصادي في وكالة رويترز
