يخضع الاقتصاد العالمي القادر على الصمود لاختبار جديد نتيجة الحرب في الشرق الأوسط المتوقفة حاليا. وتسبب الصراع في معاناة كبيرة في جميع أنحاء العالم. وأُعرب عن كامل تعاطفي مع كل المتضررين من هذه الحرب وجميع الحروب. وعندما نرحب بالوزراء ومحافظي البنوك المركزية في اجتماعات الربيع هذه الأيام، سينصب تركيزنا على أفضل طريقة لاجتياز هذه الصدمة الأخيرة وتخفيف المعاناة عن كاهل الاقتصادات والناس. ويتطلب ذلك فهم طبيعة الصدمة، والقنوات التي تؤثر من خلالها في الاقتصاد، وحجم تأثيرها، والسياسات التي يمكن أن تخفف من وطأتها.
إذن، ما الذي أصابنا؟ إنها صدمة إمدادات:
وكما هو الحال دائما، تدفع صدمة الإمدادات السالبة الأسعار إلى الارتفاع. وكنقطة مرجعية، قفز سعر نفط برنت من 72 دولارا للبرميل عشية اندلاع الأعمال العدائية إلى ذروة قدرها 120 دولارا. ولحسن الحظ، انخفضت أسعار النفط، ولكنها تظل أعلى بكثير مما كانت عليه قبل الحرب – وكثير من البلدان يدفع علاوات كبيرة للوصول إلى الإمدادات الثمينة.
لنفكر في دول جزر المحيط الهادئ الواقعة في نهاية سلسلة إمداد طويلة، التي تتساءل عما إذا كان الوقود سيصل إليها في أعقاب هذا الاضطراب الشديد.
وقد كان لانقطاعات الإمدادات آثار تتابعية، وستستمر لبعض الوقت، مثل:
والسؤال الثاني هو: كيف يمكن أن تتكشف هذه الصدمة؟ من خلال 3 قنوات رئيسية:
وها هو المنحنى لمنطقة اليورو ؛ ويتحرك أيضا إلى اليمين ويتسع، ما يشير إلى ارتفاع عدم اليقين. ولحسن الحظ، التوقعات الأطول أجلا لم تتحرك، وهذا أمر جيد جدا ومهم جدا. والقناة الثالثة، الأوضاع المالية. فمن نقطة انطلاق داعمة للغاية، تشددت هذه الأوضاع بطريقة منظمة. فاتسعت فروق العائد على سندات الأسواق الصاعدة بشكل كبير ؛ وعُدِّلَت أسعار الأسهم وارتفعت قيمة الدولار. ونشهد الآن بعض التحسن.
وقد شهدنا هذه الأوضاع من قبل في سبعينيات القرن الماضي وفي وقت سابق من هذا العقد. ونحن نعلم أن جزءا كبيرا من الصدمة سيتلاشى في نهاية المطاف، ليتركنا في حالة توازن جديد. فالإمدادات تتعافى والطلب يتكيف. وتدخل طاقات إنتاجية جديدة. وتتحسن كفاءة استهلاك الطاقة.
وكدليل على ذلك، أرجو أن تقدروا كيف أصبح العالم أقل كثافة في استهلاك الطاقة تدريجيا منذ ثمانينات القرن الماضي، ما يخفف أثر الصدمة. وقد زادت حصة الطاقة المتجددة، ومع ذلك لا يزال النفط هو المصدر الأول لوقودنا. ومع استجابة العالم، من المهم أن نواصل سعينا الجماعي نحو تحقيق كفاءة استهلاك الطاقة وتنويع مصادرها. وستسلك مختلف البلدان مسارات مختلفة نحو تحقيق أمن الطاقة، ولكن يجب على الجميع أن يسعى جاهدا لتحقيقه.
وهنا أنتقلُ إلى السؤال الثالث: ما هو حجم التأثير في النمو؟
تعتمد الإجابة بشكل كبير للغاية على ما إذا كان وقف إطلاق النار سيصمد ويؤدي إلى سلام دائم، وعلى حجم الضرر الذي تخلفه الحرب في أعقابها.
وفي ضوء أوجه عدم اليقين، سيشتمل تقريرنا عن آفاق الاقتصاد العالمي، المقرر نشره الأسبوع المقبل، على مجموعة من السيناريوهات، بدءا من عودة سريعة نسبيا إلى الأوضاع الطبيعية، مرورا بسيناريو متوسط، ووصولا إلى سيناريو تبقى فيه أسعار النفط والغاز أعلى بكثير لفترة أطول بكثير، ويبدأ ظهور الآثار غير المباشرة.
وتنطلق كل هذه السيناريوهات من وضع كان فيه الاستثمار القوي في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، والأوضاع المالية الداعمة، وعوامل أخرى، تدفع زخما هائلا في الاقتصاد العالمي.
وفي الواقع، لولا هذه الصدمة، لكنا رفعنا توقعاتنا بشأن النمو العالمي. ولكن الآن، حتى أكثر سيناريوهاتنا تفاؤلا يتضمن خفضا للتوقعات بشأن النمو. لماذا؟ بسبب تضرر البنية التحتية بشكل كبير، وتعطل الإمدادات وفقدان الثقة، وامتداد الآثار الأخرى.
ولننظر إلى حالة مجمع رأس لفان في قطر وهو مثال مهم للغاية على الاستثمار الإستراتيجي السليم؛ إذ يُنتج 93% من الغاز الطبيعي المُسال في منطقة الخليج، ويُنقل نحو 80% منه إلى آسيا والمحيط الهادئ، وهي منطقة تعاني الآن من نقص خطير في الوقود. وقد أُغلِقَ مجمع رأس لفان في الأساس منذ 2 مارس، وتعرض لقصف مباشر في 19 مارس، وقد تستغرق عملية إعادته للعمل بكامل طاقته من 3 إلى 5 سنوات. وحتى في أفضل الحالات، لن تكون هناك عودة سلسة وبسيطة إلى الوضع السابق.
مدير عام صندوق النقد الدولي
