د. أحمد آل درويش
ارتفعت تحويلات العاملين الأجانب في السعودية بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، فبحسب بيانات صندوق النقد الدولي، ازدادت من نحو 143 مليار ريال في 2023 إلى نحو 171 مليار ريال في 2024، ثم إلى نحو 217.5 مليار ريال في 2025، بزيادة تجاوزت 50% خلال عامين. كما أظهرت بيانات البنك المركزي السعودي وصول تحويلات العاملين في الربع الأول من 2026 إلى 64.8 مليار ريال، بزيادة تقارب 28% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
ورغم أهمية هذه الأرقام، فإن السؤال الاقتصادي الأكثر أهمية ليس حجم التحويلات بحد ذاته، بل مدى قدرة السوق على توفير أدوات ادخار واستثمار تجعل الاحتفاظ بجزء من المدخرات داخل السعودية خياراً جاذباً للعاملين فيها. فجزء كبير من هذه التحويلات يذهب بطبيعة الحال إلى إعالة الأسر والتعليم والعلاج والسكن وسداد الالتزامات المختلفة في بلدان العاملين، كما أن حرية تحويل الدخل حق اقتصادي أساسي لا ينبغي المساس به.
لذلك، لا نرى أن يكون الهدف هو خفض التحويلات، وإنما بناء بيئة ادخارية تجعل العامل يحتفظ بجزء من مدخراته داخل السعودية لأنه يرى في ذلك منفعة مباشرة له. ويكتسب هذا النقاش أهمية إضافية في ظل التطورات التي تشهدها سوق العمل السعودية، حيث أشار تقرير المادة الرابعة لصندوق النقد لعام 2024 إلى نمو توظيف السعوديين ذوي المهارات العالية في الأنشطة المهنية والعلمية والتقنية بنسبة 15% على أساس سنوي خلال الربع الرابع من 2023، مقابل 11% لغير السعوديين، ما يبرز توسعاً في الوظائف النوعية لشتى مكونات السوق، وبالنتيجة قدرة نسبة أكبر منهم على الادخار.
وتقدم التجارب الدولية عدداً من الدروس المهمة في هذا المجال والتي نستطيع الاستفادة منها لتطوير برنامج ادخاري أو استثماري. ولنأخذ على سبيل المثال تجربة المملكة المتحدة التي لم يكن التحدي هناك في إقناع الأفراد بأهمية الادخار بقدر ما كان في تسهيل اتخاذ القرار. وقد أدى تطبيق التسجيل التلقائي في برامج التقاعد، مع منح العامل حق الانسحاب ومساهمة صاحب العمل، إلى رفع نسبة مشاركة الموظفين المؤهلين إلى 88% في عام 2023. والدرس من هذه التجربة يشير إلى أن تصميم البرنامج قد يكون أكثر تأثيراً من الحملات التوعوية وحدها.
أما أستراليا، فاعتمدت على حسابات تقاعدية ممولة تُحوّل إليها مساهمات أصحاب العمل بصورة دورية، مع إمكانية استرداد الرصيد أو نقله عند مغادرة البلاد. وتبرز هذه التجربة أهمية عنصر غالباً ما يُغفل في برامج الادخار، وهو وضوح آلية الخروج من البرنامج. فالعامل يكون أكثر استعداداً للادخار عندما يعرف مسبقاً كيف سيصل إلى أمواله وما الذي سيحدث لها عند انتقاله إلى وظيفة أخرى أو مغادرته للدولة.
وفي إيطاليا، أُتيح للعامل توجيه مستحقات مكافأة نهاية الخدمة إلى صناديق تقاعد تكميلية بدلاً من بقائها التزاماً مؤجلاً لدى صاحب العمل. وأسهم ذلك في زيادة العضوية والأصول المدارة، لكنه كشف أيضاً عن أن الحسابات الممولة وحدها لا تكفي لتحقيق مشاركة واسعة، وأن النجاح يتطلب تبسيط الخيارات واستمرار التواصل مع العاملين وتشجيعهم على الاستمرار في الادخار.
وفي المقابل، أظهرت التجربة الألمانية أن الحوافز المالية ليست ضماناً للنجاح، فبالرغم من الدعم الحكومي والمزايا الضريبية، أدى تعقيد المنتجات وارتفاع بعض الرسوم وضعف القدرة على المقارنة بين الخيارات إلى الحد من فاعلية البرنامج، خصوصاً لدى أصحاب الدخول المنخفضة، وهو ما يؤكد أن جودة تصميم المنتج وشفافيته لا تقل أهمية عن الحوافز المقدمة له.
ومن مجمل هذه التجارب يمكن استخلاص رسالة واضحة وهي أن نجاح برامج الادخار يعتمد على البساطة، وانخفاض التكلفة، وسهولة الاشتراك، ووضوح الحقوق، أكثر من اعتماده على حجم الدعم المالي أو الإعفاءات الممنوحة. وفي ضوء ذلك، قد يكون من المناسب للسعودية تطوير منصة ادخار مهني موحدة تشمل السعوديين وغير السعوديين ضمن إطار تنظيمي واحد، بدلاً من إنشاء برامج منفصلة لفئات محددة.
ويمكن أن تعتمد هذه المنصة على حسابات ممولة تُودع فيها استحقاقات مكافأة نهاية الخدمة بصورة دورية، مع إتاحة مساهمات اختيارية من العامل ومساهمات تحفيزية من صاحب العمل، وتوفير خيارات استثمارية متنوعة ومنخفضة التكلفة، إضافة إلى سهولة نقل الحساب بين الوظائف وإمكانية استرداد الرصيد أو تحويله عند مغادرة السعودية.
كما يتطلب نجاح مثل هذه المنظومة تعاون الجهات التنظيمية والمؤسسات المالية وأصحاب العمل، من خلال توفير الحماية والإفصاح والشفافية، وتطوير منتجات مناسبة لشتى مستويات الدخل، وتقديم الخدمات بلغات متعددة، بما يعزز الثقة ويزيد من معدلات المشاركة الطوعية.
وقد أشار صندوق النقد الدولي في تقريره لعام 2025 إلى برنامج مرتقب للمعاشات والادخار الاختياري يكون مفتوحاً للسعوديين والعاملين الأجانب، ويستهدف تعزيز مدخرات الأسر وربما الحد من بعض تدفقات التحويلات. إلا أن معيار النجاح الحقيقي لن يكون حجم التحويلات التي تنخفض، بل عدد المشاركين واستمرارية الادخار والثقة في المنظومة.
ختاماً، لعلنا نلخص ما تشير إليه مجمل التجارب الدولية التي ذكرناها في أن العامل يقبل على المشاركة في برامج الادخار عندما تكون الأداة الادخارية بسيطة وموثوقة ومنخفضة التكلفة، وعندما تبقى ملكية المال وإمكانية نقله واضحتين، فعندها تتحول المدخرات إلى منفعة مشتركة للعامل وصاحب العمل والاقتصاد الوطني، دون الحاجة إلى تقييد التحويلات أو المساس بحرية العامل الاقتصادية.
خبير اقتصادي وعضو جمعية الاقتصاد السعودية
