دانييل كيتس سيترون
قبل 20 عاما، زَعمتُ أن إنشاء قواعد بيانات تحتوي على معلومات حساسة ــ بما في ذلك عناوين المنازل، والبيانات البيومترية، وأرقام الضمان الاجتماعي ــ ينبغي أن يُـفهَم على أنه نشاط بالغ الخطورة. فمن غير الممكن إدارة مثل هذه القواعد بأمان من دون تحميل الكيانات التي تنشئها المسؤولية الكاملة عن أي انتهاكات. ولأن نماذج الذكاء الاصطناعي تولد مخاطر جديدة وجسيمة، فإن الحاجة إلى نظام للمسؤولية المطلقة أصبحت شديدة الإلحاح.
إذا تحملت شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة المسؤولية المطلقة عن الدمار الذي تسببه روبوتات الدردشة وأنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيل التي تنتجها، فقد تبطئ من وتيرة عملها للتفكير في وسيلة لممارسة أنشطتها بأمان، وتغير مسارها حيثما تعذر ذلك.
قد تتسبب الاختراقات، والتسريبات، واستغلال قواعد البيانات الحساسة في تدمير حياة البشر. وقد تستغل جهات معادية هذه المعلومات، أو مشاركتها عبر الإنترنت، لتحديد مكان أو فضح ضحايا، والذين قد يواجهون الإذلال، أو المضايقة، أو الملاحقة، أو الاعتداء، أو حتى القتل. من الممكن أن يستخدم لصوص الهوية هذه المعلومات لتفريغ حسابات الضحايا المصرفية، أو الحصول على قروض عقارية ثانية، أو تحميلهم فواتير طبية، أو ارتكاب جرائم أخرى. وحتى لو لم تُـختَرَق قاعدة البيانات مطلقا، فقد تستخدم الشركات محتوياتها للتلاعب بالناس لتحقيق مصالح خاصة.
لقد شهدنا كل هذه السيناريوهات تتكرر على نحو لا ينقطع على مدى العقدين الأخيرين. ومع ذلك، فقد أثبتت العقبات التي تعترض طريق التنظيم في الولايات المتحدة، بدءا من اللامبالاة في عموم الأمر وصولا إلى الافتقار إلى الخيال القضائي، كونها هائلة. وشكلت المادة 230 من قانون آداب الاتصالات لعام 1996، التي تحمي المنصات على الإنترنت من المسؤولية القانونية عن المحتوى الذي ينشئه المستخدمون، حاجزا كبيرا بشكل خاص أمام إحراز أي تقدم.
لكن المساءلة لا تزال في حكم الممكن. فقد أقام المدعي العام عن ولاية نيو مكسيكو، راؤول توريز، دعوى قضائية مؤخرا ضد شركة Meta، مدعيا أن الشركة الأم لفيسبوك وإنستجرام صممت منتجاتها عمدا لتكون مسببة للإدمان بين الأطفال، على النحو الذي يعرضهم للمتحرشين ويوقِع بهم أضرارا نفسية وجسدية خطيرة، بما في ذلك الأفكار الانتحارية، والاكتئاب، والموت.
وبمساعدة شهادة أحد المبلغين عن الجرائم، انتصر توريز: فقد صدر أمر يلزِم شركة Meta بدفع غرامة مدنية قدرها 375 مليون دولار نظير تضليلها المستخدمين بشأن سلامة منصتها، فضلا عن مَبلغ آخر قدره 567 مليون دولار لتمويل برامج الصحة النفسية للشباب.
هذا يمثل نحو مليار دولار في ولاية أمريكية واحدة فقط. وإذا فعل المدعي العام في كل ولاية الشيء ذاته، فقد تصل الغرامات إلى نحو 50 مليار دولار ــ وهو مبلغ كافٍ لإفلاس شركة Meta. من المؤسف أن أربعين من الولايات عقدت تسويات مع شركة التكنولوجيا العملاقة هذه مقابل نحو 17 مليار دولار، وحتى ذلك يتضمن شرطا: لن تدفع Meta المبلغ بالكامل إلا إذا وافقت منصات Snapchat، وTikTok، وYouTube على إجراء التغييرات (الضعيفة نسبيا) ذاتها على منصاتها لجعلها أكثر أمانا للأطفال. وأنا شخصيا لا أعلق آمالا كبيرة على ذلك.
الواقع أن تجربتنا مع شركات وسائط التواصل الاجتماعي تعلمنا الكثير عن التعامل مع شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة. من الواضح أن شركات الذكاء الاصطناعي نفسها درست إستراتيجيات وسائط التواصل الاجتماعي في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، والتي تجمع بين التعتيم، والإنكار، والادعاءات حول الإبداع لصياغة رواية لا تتحمل فيها أي مسؤولية عن سلوك نماذجها.
تعتمد هذه الشركات على الغموض. في حين كانت تؤكد في السابق على ضرورة حماية الأسرار التجارية، فإنها الآن تدّعي أن الشفافية مستحيلة، لأن لا أحد يفهم بشكل كامل ما تفعله نماذجها. لكن الجهل اختيار: فبوسع الشركات مراقبة نماذجها والاحتفاظ بسجلات لما تفعله. (كان بإمكانها بكل تأكيد تتبع المواد المحمية بحقوق النشر التي سرقتها لاستخدامها كبيانات تدريب). بدلا من ذلك، تركز شركات الذكاء الاصطناعي على "استقلالية" نماذجها.
تتحدث الشركات عن "هروب الأنظمة الوكيلة من البيئات التجريبية المعزولة"، و" تمردها"، وانخراطه في تدابير "غير مقصودة"، وتنفيذها عمليات اختراق معقدة. والهدف من ذلك هو إخفاء حقيقة بسيطة: أي شيء يفعله نموذج أو نظام وكيل تملكه الشركة، فإن الشركة هي التي تفعله في حقيقة الأمر.
عندما لا تلقي شركات الذكاء الاصطناعي باللوم على الأنظمة الوكيلة، فإنها تحول المسؤولية إلى المستخدمين. تعمل بطاقات النظام، التي تحدد بعض عيوب المنتج، عمل لافتة "على المشتري الـحَذَر": استخدم هذه الأداة على مسؤوليتك الخاصة. في الوقت ذاته، تبذل هذه الشركات نفسها كل ما في وسعها لضمان تَبَـنّي منتجاتها على أوسع نطاق ممكن.
إن أدوات الذكاء الاصطناعي ليست سِحرا. إنها ليست كائنات لها الحق في اكتساب الشخصية الأخلاقية. بل هي منتجات جعلت مبتكريها في غاية القوة والثراء. وكما يشرح كيفن روز، فإن النماذج اللغوية الضخمة، والتعلم المعزز، والبرمجة بالاستعانة بالأنظمة الوكيلة "لم تنشأ من وحل بدائي"، بل "اخترعها، وطورها، وسوّقها تجاريا بضع مئات من الأشخاص".
يرغب المسؤولون التنفيذيون في عالَم الذكاء الاصطناعي في مواصلة تعظيم مكاسبهم والسعي وراء "الجمال التقني" من خلال بناء النماذج بأكبر سرعة ممكنة، دون تحمل أي مسؤولية قانونية أو أخلاقية عن العواقب. وكما تعلمنا قبل جيل مضى، إذا أعطيناهم ما يريدون، فسوف نتكبد ضررا جسيما. والسماح لهم بمواصلة نهجهم الحالي ــ وهو في الأساس: "لنطلق الأشياء إلى العالم، ونرى ما سيحدث، ثم نعالج المشاكل بعد ظهورها" ــ هو وصفة لكارثة مؤكدة.
يجب أن تُحمَّل شركات الذكاء الاصطناعي المسؤولية المطلقة عن الأضرار الواسعة الانتشار التي تحدثها أدواتها، بدءا من الخسائر المالية والمعاناة النفسية وصولا إلى الأضرار الجسدية والوفاة. يجب أن يواجه المسؤولون التنفيذيون المسؤولية المدنية عن إطلاق أدوات تؤدي إلى تعطل عمل البنوك، والمستشفيات، ومرافق المياه، وشبكات الكهرباء وغيرها، على نحو يتسبب في الموت والفوضى. (يجب أن تكون المسؤولية الجنائية مطروحة للنقاش أيضا، نظرا لمشاعر عدم الاكتراث المتهورة التي يبديها الرؤساء التنفيذيون تجاه المخاطر الواضحة المتعلقة بالسلامة). سوف تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيل أقل ميلا بدرجة كبيرة إلى تعطيل عمل المستشفيات أو غيرها من الـبُـنى الأساسية الـحَرِجة إذا أدرك البشر الذين يخلقونها أنهم سيدفعون الثمن.
أستاذة القانون ومديرة مركز LawTech التابع لكلية الحقوق في جامعة فرجينيا.
خاص بـ"الاقتصادية"
حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2026.
