الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الاثنين, 20 أبريل 2026 | 3 ذُو الْقِعْدَة 1447
Logo

تحرك الاقتصاد وتكلفة الجغرافيا السياسية

سلمان بن محمد الجشي
الأحد 19 أبريل 2026 13:48 |3 دقائق قراءة


سلمان الجشي

في أوقات التحولات الحادة، لا تُقاس متانة الاقتصادات بمعدلات نموها فقط، بل بقدرتها على التحمل والتكيّف مع الصدمات غير المتوقعة. وفي هذا السياق، يكتسب تصريح محمد الجدعان وزير المالية  من واشنطن أهمية خاصة، حين استحضر تجربة إنشاء أنبوب في الصحراء ظل لعقود دون استخدام، قبل أن يتحول اليوم إلى نموذج يُحتذى به في الاستشراف الإستراتيجي. هذه الإشارة لا تعكس مجرد قصة نجاح، بل تجسد مبدأً راسخًا في التخطيط الاقتصادي.

الاستثمار في الجاهزية قبل الحاجة، وبناء الخيارات قبل الأزمات. وفي السياق ذاته، أكد معاليه أن الحرب لن تثني السعودية عن مواصلة الإصلاحات الاقتصادية طويلة الأمد رغم توقع تباطؤ التعافي العالمي. هذه الرسالة في توقيتها، تعكس ثبات النهج السعودي، وتؤكد أن الرؤية لا تُدار بردود الفعل، بل تُبنى على قناعات راسخة.

 لكن، وفي ضوء ما شهدته المنطقة من تصعيد خطير منذ بداية الهجوم الأمريكي - الإسرائيلي على إيران، وما تبعه من رد إيراني عدائي  طال دول الخليج واستهدف بشكل غير مبرر اقتصاداتها وبنيتها الحيوية، فإننا أمام لحظة مفصلية تتطلب ترجمة هذا الثبات إلى قرارات عملية عاجلة، يقودها المجلس الاقتصادي الأعلى، وتتمحور حول 3 مستهدفات رئيسية لا تحتمل التأجيل. 

أولها: دراسة عاجلة وشاملة للائتمان والتمكين الاقتصادي، في مداخلة إستراتيجية لافتة، طرح الأستاذ سعيد بن زقر ضرورة قيام وزارة الاقتصاد والتخطيط بإجراء دراسة قطاعية عاجلة حول توزيع الائتمان في القطاع المصرفي. هذه الدعوة تمثل نقطة انطلاق مهمة لفهم تدفقات التمويل، وتحديد ما إذا كانت تخدم فعليًا القطاعات ذات الأولوية الوطنية، خصوصًا الصناعية منها. 

وقد تعزز هذا الطرح بإضافة ضرورية -مني- تتمثل في توسيع نطاق الدراسة لتشمل كافة الممكنات الاقتصادية، من رسوم وحوافز، إلى أدوات تنظيمية وتشريعية. ثم جاءت مداخلة المهندس عبدالله الرخيص  لتكمل الصورة، عبر التأكيد على أهمية إدراج برامج التمكين والدعم التي تقدمها صناديق التنمية الحكومية، ضمن هذه الدراسة. 

الهدف هنا ليس فقط التشخيص، بل بناء منظومة تمويل وتمكين متكاملة، تضمن توجيه الموارد نحو القطاعات ذات الأثر الإستراتيجي، وعلى رأسها المنشآت الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل العمود الفقري لأي اقتصاد مرن. و ثانيها: تحديث الإستراتيجية الصناعية الوطنية. 

لقد أثبتت الأحداث الأخيرة، كما في جائحة كورونا، أن الاعتماد على الخارج في سلاسل الإمداد يمثل نقطة ضعف هيكلية. ورغم إقرار الإستراتيجية الصناعية الوطنية في  2022 ، فإن ما شهدناه خلال الأسابيع الماضية يفرض مراجعة عاجلة وشاملة لها، المطلوب اليوم هو إعادة تقييم القطاعات المستهدفة، وتحديد أولويات جديدة ترتبط مباشرة بالأمن الوطني الشامل، مثل الصناعات الدوائية، والغذائية، والأمنية.

كما يجب التركيز على توطين سلاسل القيمة الكاملة، لا الاكتفاء بالتصنيع النهائي. هذه المراجعة يجب أن تتم بشراكة حقيقية مع القطاع الخاص، ليس فقط كمستفيد، بل كمشارك في صياغة التوجهات، وتحديد التحديات، واقتراح الحلول.

فالتجارب السابقة، تؤكد أن غياب البوصلة الإستراتيجية قد يؤدي إلى نتائج عكسية. وثالثها: إعادة بناء منظومة المحتوى المحلي .. إن تعزيز المحتوى المحلي لم يعد خيارًا اقتصاديًا فحسب، بل ضرورة أمنية. ومع تصاعد التحديات، تبرز الحاجة إلى إعادة بناء وتطوير هيئة المحتوى المحلي، بما يتناسب مع متطلبات المرحلة المقبلة.

 المطلوب هو الانتقال من دور تنظيمي تقليدي، إلى دور إستراتيجي ديناميكي، يستخدم أدوات حديثة لقياس الأثر، وربط الحوافز بمستويات التوطين الفعلية، وتوسيع نطاق الإلزام ليشمل سلاسل التوريد بالكامل، لا فقط المتعاقدين المباشرين مع الدولة. كما يجب أن تُدعم هذه المنظومة بحزمة متكاملة من السياسات، تشمل التمويل الميسر، والحوافز الضريبية، ونقل التقنية، وبناء القدرات البشرية، لضمان تحقيق أثر مستدام.

 إن المرحلة الراهنة لا تحتمل التردد أو الاكتفاء بردود الفعل، بل تتطلب تسريع وتيرة العمل، ورفع كفاءة التنسيق، واتخاذ قرارات إستراتيجية جريئة تستشرف المستقبل. فالمستهدفات الثلاثة المطروحة .. من إعادة توجيه الائتمان والتمكين، إلى تحديث الإستراتيجية الصناعية، وصولًا إلى تطوير منظومة المحتوى المحلي. تمثل مسارات حاسمة ينبغي أن يتبناها المجلس الاقتصادي الأعلى. فلم يعد في تحقيق النمو فحسب، بل في ترسيخ اقتصاد قادر على الصمود والاستمرار بثقة، وتحقيق قدر أعلى من الاستقلالية في عالم تتسارع فيه المتغيرات.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية