الشركات والمستهلكون اعتادوا "وضعاً طبيعياً" فرضته ظروف استثنائية
- البنوك المركزية تواجه عدداً من الصدمات بينها ارتفاع أسعار النفط
- الخطابات عن التضخم لن تكفي وحدها لكبحه.. لا بد من إجراءات
الخلاصة
رفع بنك الاحتياطي الأسترالي أسعار الفائدة إلى أعلى مستوى في 15 عاماً يوم الثلاثاء الماضي لمواجهة تسارع التضخم، وهو أول بنك مركزي بارز يفعل ذلك هذا العام. محافظ البنك ميشيل بولوك أكدت أن أسعار الفائدة المنخفضة قبل الجائحة كانت استثنائية ولن تعود. البنوك المركزية الكبرى تتخذ مواقف دفاعية وسط تحديات اقتصادية متعددة.
يوم الثلاثاء الماضي، رفع بنك الاحتياطي الأسترالي أسعار الفائدة إلى أعلى مستوى في 15 عاماً، ما شكل نموذجاً لما ينتظر الاقتصادات الأكبر في الفترة المقبلة.
كان الاحتياطي الأسترالي أول بنك مركزي بارز يستأنف رفع تكاليف الاقتراض هذا العام، بعدما اتضح أن التضخم ليس مستمراً فحسب، بل بدأ يتسارع مجدداً.
وشرعت محافظة البنك ميشيل بولوك في تشديد السياسة النقدية في فبراير، ثم عكست خلال الأشهر التالية أثر التخفيضات الثلاثة التي أُجريت في 2025. لكن جرى تجاوز عتبة جديدة يوم الثلاثاء، إذ تجاوزت تكاليف الاقتراض أعلى مستوى لها بلغته بعد الجائحة، عند عودة النمو بقوة. مع ذلك، لم تكن هذه أهم إشارة من سيدني.
البنوك المركزية الكبرى تتخذ موقفاً دفاعياً
يجب على السلطات النقدية أن تدرك أن مجرد تعديل موقفها لن يكفي على الأرجح، وأن الشركات والمستهلكين في أنحاء العالم، الذين اعتبروا فترة التيسير النقدي والتضخم الطفيف قبل جائحة "كوفيد" معياراً للأوضاع العادية، غير مستعدين للعصر الجديد.
كانت بولوك صريحة في هذا الشأن، فأوضحت أن أسعار الفائدة شديدة الانخفاض قبل الجائحة وخلالها كانت نتاج ظروف استثنائية. وقالت يوم الثلاثاء: "قطعاً لن نعود إلى ذلك". وقد مضى وقت منذ أن سمعت رئيس بنك مركزي يستخدم صيغة بهذه الصراحة.
بصفته أول بنك مركزي يستأنف رفع تكاليف الاقتراض بعد اندلاع حرب إيران، من الجدير متابعة الاحتياطي الأسترالي عن كثب، إذ تجد بولوك نفسها في موقف دفاعي، حالها كحال نظرائها في أوروبا والولايات المتحدة ودول في آسيا.
ويتضافر ارتفاع أسعار الطاقة مع متانة أسواق العمل وطفرة الإنفاق الرأسمالي لدعم النمو، بل إن وتيرة التوسع الاقتصادي تتسارع مجدداً، ومعها تتزايد احتمالات ارتفاع التضخم.
التصريحات وحدها لن تكافح التضخم
يشير رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش ورئيسة البنك المركزي الأوروبي صراحةً إلى طول المدة التي تجاوز فيها التضخم المعدلين المستهدفين لكل من البنكين.
لكن لا يمكن الاستمرار طويلاً في هذا الخطاب من دون اتخاذ إجراءات. فاحتاج وارش إلى بضعة من اجتماعات اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، ورد فعل سلبي من الأسواق، لينقل الرسالة الصحيحة، غير أنه انتهج النبرة المناسبة، في الوقت الراهن على الأقل، بعد رفع أسعار الفائدة الشهر الماضي. أما المركزي الأوروبي، فقد شدد السياسة النقدية مرتين هذا العام، ويناقش مسؤولوه تشديداً ثالثاً بعدما أظهرت بيانات صدرت الأربعاء قفزة في معدل التضخم في ألمانيا.
فهل أخطأ مسؤولو البنوك المركزية في خفض أسعار الفائدة العام الماضي، ما فاقم خطئهم الأكبر في عدم توقع التسارع الكبير في التضخم في 2021 و2022؟
الواقع أنهم يواجهون عدداً من الصدمات: ارتفاع تكاليف النفط، وصمود النظام التجاري العالمي أمام الرسوم الجمركية الأمريكية، وطفرة الإنفاق على مراكز البيانات التي حفزت الاستثمارات في الكهرباء والبناء وعززت الطلب على العمالة الماهرة.
الوضع الطبيعي يعتمد على المنظور
قد تتلخص المسألة في المنظور، فالظروف الحالية قد تكون أقرب إلى الأوضاع الطبيعية مما كانت عليه خلال العقد السابق للجائحة، عندما كانت تكاليف الاقتراض قريبة من الصفر في الاقتصادات الكبرى، وكان المسؤولون قلقين من ضعف التضخم. غير أن الناس اعتادوا هذا الوضع المختلف عن المعتاد.
التحدي الذي يشكله تحديد المقصود بالأوضاع الطبيعية لا يقتصر على القطاع الرسمي، فمسألة المنظور نفسها تحاصر سوق السندات، التي لا تزال تعاني من موجة بيع لافتة، فتجاوز عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات 5% للمرة الأولى منذ 2007، كما عانت السندات الحكومية العالمية أسوأ أداء فصلي لها منذ 2024. لكن ما المشكلة الجوهرية في عودة العوائد طويلة الأجل إلى المستويات التي سبقت أشد مراحل الأزمة المالية العالمية وطأة؟
عندما كانت عوائد سندات الخزانة الأميركية قريبة من الصفر وعوائد السندات الأوروبية سالبة، قوبل ذلك بانتقادات بصفته وضعاً مؤسفاً ودليلاً على اقتصاد عالمي يعاني نقص الاستثمار وضعف الإنتاجية، بل اعتبر البعض هذه الأوضاع غير أخلاقية وإشارة مؤكدة إلى أن "الحالة اليابانية" (Japanification) تستشري في العالم. لكن اليابان تعافت، وكذلك طلب القطاع الخاص على التمويل. فهل كان الأفضل أن يمضي التصحيح تدريجياً؟ بالطبع، لكن الأسواق قد تتذبذب بقوة.
إعادة التضخم إلى المستهدف.. الأولوية القصوى
إن البيئة التي يستمر فيها التضخم أعلى بنقطة مئوية أو اثنتين من المستهدف تخلق منطقة رمادية محبطة لصناع السياسة النقدية، فلا يتضح إن كان عليهم التسبب في ركود لخفض التضخم، كما أن ترك الأمور لتسير من تلقاء نفسها ليس خياراً مطروحاً.
وهذه ليست فترة ما بعد الجائحة أو أواخر السبعينيات، عندما كان مسار التحرك واضحاً، ولا هي العقد الثاني من الألفية الحالية، عندما كان الناس يشتكون من تعافٍ بلا وظائف، والذي كان علاجه سنوات من التحفيز عبر السياسة النقدية.
الأولوية لإعادة التضخم إلى المستهدف، ثم يمكننا مناقشة ما سنطلقه على هذه الحقبة؛ هل نطلق عليها فترة "الأوضاع الطبيعية الجديدة" كما اقترحت بولوك، أم "عودة الأوضاع الطبيعية القديمة"؟
كاتب عمود في بلومبرج يغطي الاقتصادات الآسيوية. منصب المحرر التنفيذي لأخبار بلومبرج للاقتصاد العالمي، وقاد فرقًا في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية
خاص بـ الشرق "بلومبرغ"

