سلمان الجشي
تفرض الحروب والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة تحديات عميقة على سلاسل الإمداد العالمية، ولا سيما في قطاعي الطاقة والبتروكيماويات اللذين يمثلان عصب الاقتصاد في دول الخليج. فقد أظهرت التطورات المرتبطة بحرب إيران وما صاحبها من اضطرابات في أمن الملاحة وأسواق الطاقة أن التحدي الحقيقي لم يعد يقتصر على تقلبات الأسعار أو ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، بل بات يرتبط بصورة مباشرة بمفهوم أمن التصدير واستدامة الوصول إلى الأسواق العالمية.
تشير تقديرات وتقارير تحليلية متوسطة الأجل إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تنتج ما يقارب 26.5 مليون طن سنوياً من المنتجات البتروكيماوية، وهي كميات ضخمة تعتمد في جزء كبير منها على التصدير البحري إلى أسواق بعيدة، وهناك معلومات أكثر في تقرير صادر عن "تشاتام هاوس" كتبه جون ماثيو وترجمه الزميل الأستاذ عبدالله الرخيص بعنوان "دروس من حرب إيران".
وفي ظل الأزمات العسكرية، تصبح الممرات البحرية عرضة للمخاطر، كما تتعرض سلاسل التوريد للتعطل، ما يؤدي إلى خسائر مباشرة وغير مباشرة للشركات والاقتصادات الوطنية.
ومن هنا يتضح أن الاعتماد على نموذج “الإنتاج للتصدير الخام أو شبه الخام” لم يعد كافياً لضمان الاستقرار الاقتصادي في المستقبل. في المقابل، تحمل هذه التحديات فرصاً استراتيجية لإعادة تشكيل الاقتصادات الخليجية نحو مزيد من التنوع والاستدامة.
إذ يمكن تحويل الصدمات الجيوسياسية إلى دافع لتسريع التحول الصناعي وتعظيم القيمة المضافة محلياً، خاصة في الصناعات التحويلية المرتبطة بالبتروكيماويات. فالانتقال من تصدير المواد الأولية أو الوسيطة إلى تصنيع منتجات نهائية أو شبه نهائية داخل الدولة يسهم في تقليل المخاطر اللوجستية، وصنع وظائف نوعية، وزيادة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي.
إن التجارب الدولية تقدم دروساً مهمة في هذا السياق. فالصين، على سبيل المثال، لم تصبح قوة صناعية في قطاع السيارات بين ليلة وضحاها كما تكلم عنها كارلوس غصن في وقت سابق، بل بدأت بسياسات واضحة لرفع نسب التصنيع المحلي تدريجياً، مدعومة بحوافز تمويلية وتشريعية وبنية تحتية قوية وحماية سوقية ذكية.
واليوم تمتلك عشرات المصانع التي تنتج سيارات كاملة بتكنولوجيا محلية وشراكات عالمية. ويمكن إسقاط هذا النموذج على قطاع البتروكيماويات عبر تبني رؤية مرحلية تستهدف تصنيع نسبة لا تقل عن 50% من المنتجات محلياً خلال خمس سنوات.
يتطلب تحقيق هذا الهدف تشكيل فريق وطني عالي المستوى تقوده وزارة الطاقة ويضم وزارات الصناعة والاستثمار والاقتصاد، بحيث يعمل على مسارين متوازيين. الأول هو بناء مصانع تحويلية بالشراكة مع شركات عالمية لنقل التقنية والخبرة، مع توفير حوافز استثمارية تنافسية تجعل الدولة الوجهة الأفضل للصناعات المرتبطة بالبتروكيماويات، مستلهمين من تجربة وطننا في السبعينيات في إنشاء شركة سابك والهيئة الملكية للجبيل وينبع.
أما المسار الثاني فيركز على تطوير الأسواق الإقليمية القريبة التي يمكن الوصول إليها عبر النقل البري أو متعدد الوسائط، ما يقلل الاعتماد على الممرات البحرية عالية المخاطر. كما يجب أن تتكامل هذه الرؤية مع تطوير منظومة التمويل الصناعي، وتوسيع قدرات الموانئ والسكك الحديدية واللوجستيات، إضافة إلى الاستثمار في البحث والتطوير والابتكار التقني لضمان تنافسية المنتجات محلياً وعالمياً.
فالتصنيع المحلي لا يعني فقط بناء مصانع، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل الكفاءات البشرية، وسلاسل الإمداد، والسياسات التجارية والصناعية الداعمة.
وفي ظل التوترات الإقليمية وما يصاحبها من تهديدات مباشرة وغير مباشرة، يصبح التفكير بمنظور استراتيجي طويل الأجل ضرورة وليس خياراً. فالدول التي تنجح في تحويل الأزمات إلى فرص هي تلك التي ترسم مستقبلها برؤية شاملة “360 درجة”، تأخذ في الحسبان التحولات العالمية والتكنولوجية والاقتصادية.
ومن هنا فإن تعزيز التصنيع المحلي في قطاع البتروكيماويات يمثل خطوة محورية نحو بناء اقتصاد أكثر مرونة، وأمناً في التصدير، وقدرة على تحقيق نمو مستدام للأجيال القادمة.
كاتب اقتصادي ورجل أعمال
