شكّلت طفرة النفط الصخري منذ 2010م أحد أبرز محركات نمو الإنتاج النفطي الأمريكي، وكان حوض البرميان في غرب تكساس وشرق نيو مكسيكو في قلب هذا النمو. وفي 2025، بلغ متوسط إنتاج الحوض نحو 6.6 مليون برميل يوميًا، بما يعادل 48% من إجمالي إنتاج النفط الخام الأمريكي، وارتفع في ديسمبر إلى نحو 6.7 مليون برميل يوميًا.
وخلال سنوات التوسع، تركزت عمليات الحفر في المواقع الأعلى جودة وإنتاجية، لما توفره من عوائد أفضل وجدوى اقتصادية أكبر. ومع استمرار تطوير هذه المناطق، امتدت عمليات الحفر إلى نحو ثلثي المساحات الأساسية في ميدلاند وأكثر من نصفها في ديلاوير، وهما من أهم الأحواض الفرعية في البرميان، ما قلّص تدريجيًا عدد مواقع الحفر الأعلى جودة المتبقية.
ويدعم ذلك تقرير نشرته رويترز في 5 أغسطس 2026، أشار إلى أن مزادًا في مايو لحقوق الحفر في أراضٍ اتحادية في تكساس ونيو مكسيكو حقق نحو 4 مليارات دولار، وشمل 33,530 فدانًا معظمها في البرميان. وأرجعت بيانات نقلتها رويترز شدة المنافسة على هذه الأصول إلى نقص مواقع الحفر ذات الإنتاجية المرتفعة.
وتوضح هذه التطورات أهمية جودة المواقع المتبقية؛ فمع تطوير المناطق الأعلى إنتاجية أولًا، تصبح خصائص المواقع التي تنتقل إليها عمليات التطوير أكثر تأثيرًا في إنتاجية الآبار وتكلفة تطويرها.
أثر جودة مواقع الحفر في إنتاجية الآبار
بدأ تقلص مواقع الحفر الأعلى جودة ينعكس على إنتاجية عمليات الحفر. ففي ميدلاند وديلاوير، انخفضت كمية النفط المنتجة لكل قدم محفورة خلال عام 2025 بنحو 8% مقارنة بمتوسط 2024. ويعني ذلك أن كل قدم جديدة يتم حفرها أصبحت تحقق في المتوسط كمية نفط أقل مما كانت تحققه قبل عام، ويكتسب هذا التراجع أهمية مع انتقال جزء أكبر من نشاط التطوير إلى مواقع خارج أفضل المناطق التي قادت نمو الحوض خلال السنوات الماضية.
ويزداد هذا المؤشر أهمية عند مقارنته بالتطور في كفاءة الحفر. ففي ميدلاند، ارتفع عدد الأقدام التي تنجزها الحفارة شهريًا بنحو 25% منذ الربع الأول من 2023. أي إن المنتجين أصبحوا قادرين على حفر مسافات أكبر باستخدام الحفارة نفسها، بينما تراجعت في المقابل كمية النفط المنتجة من كل قدم محفورة. وبذلك، استطاعت مكاسب كفاءة الحفر دعم مستويات النشاط والإنتاج، إلا أن زيادة الأقدام المحفورة لم تمنع تراجع كمية النفط المنتجة لكل قدم.
ويظهر تغير الحوض أيضًا في تركيبة الإنتاج. فبين عامي 2021 و2025، ارتفع إنتاج النفط في البرميان بنحو 39%، من 4.7 إلى 6.6 مليون برميل يوميًا، بينما ارتفع إنتاج الغاز المصاحب بوتيرة أسرع بلغت 60%، من 17.2 إلى 27.6 مليار قدم مكعبة يوميًا.
وفي 2025، بلغ متوسط نسبة الغاز إلى النفط نحو 4,200 قدم مكعبة من الغاز لكل برميل نفط، بزيادة 16% عن عام 2021. ويُعد ارتفاع نسبة الغاز إلى النفط من السمات التي قد تظهر مع تقدم عمر الإنتاج وانخفاض ضغط المكمن، وهو ما يعني في هذه الحالة أن كل برميل نفط أصبح مصحوبًا بكمية أكبر من الغاز مقارنة بعام 2021.
وتضع هذه المؤشرات حوض البرميان أمام مرحلة مختلفة من النمو؛ فبعد سنوات اعتمد فيها التوسع على وفرة مواقع الحفر عالية الإنتاجية، أصبحت اقتصاديات المواقع المتبقية وكفاءة تطويرها أكثر أهمية في تحديد مسار الإنتاج مستقبلًا.
استمرار نمو الإنتاج الأمريكي
على الرغم من هذه التطورات في البرميان، لا يزال إجمالي الإنتاج النفطي الأمريكي مرتفعًا؛ إذ سجل متوسطًا قياسيًا بلغ نحو 13.6 مليون برميل يوميًا في 2025. وتشير أحدث تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى ارتفاعه إلى نحو 13.8 مليون في 2026، مع توقع وصوله إلى نحو 14 مليون برميل يوميًا في 2027.
ويتحقق هذا النمو من خلال استمرار إضافة إنتاج جديد لتعويض التراجع في الآبار القائمة. ففي عام 2024 وحده، دخل أكثر من 15 ألف بئر جديدة إلى الإنتاج في الولايات الـ48 المتجاورة. وخلال العام نفسه، تراجع إنتاج الآبار القائمة بنحو 4.3 مليون برميل يوميًا، بينما أضافت الآبار الجديدة نحو 4.4 مليون برميل يوميًا. وتوضح المقارنة الدور الذي تؤديه إضافة آبار جديدة في تعويض التراجع الطبيعي للآبار القائمة والمحافظة على نمو إجمالي الإنتاج.
وفي تحليل لسوق النفط العالمي نُشر ضمن عدد صيف 2026 من NAPE Expo LP، أشار التحليل إلى إمكانية زيادة الإمدادات الأمريكية بقيادة النفط الصخري، لكنه توقع أن يتم هذا التوسع بحذر وتحت متطلبات المستثمرين المستمرة، ما يجعل إضافة إنتاج جديد مرتبطة أيضًا بجدوى الاستثمار وقدرته على تحقيق العائد المطلوب.
إدارة السعودية لمواردها النفطية
تظهر الميزة النفطية للسعودية بصورة أوضح عند النظر إلى طريقة إدارة مكامنها على المدى الطويل. فعلى الرغم من أن كثيرًا من حقول أرامكو تنتج منذ عقود، تشير بيانات الشركة إلى أن معظم حقول النفط الخام تعمل بمعدلات استنزاف سنوية تراوح بين 1% و2% من إجمالي الكميات المتوقع استخلاصها طوال عمر الحقل الإنتاجي، وهي نسبة تعكس وتيرة إنتاج منخفضة مقارنة بإجمالي المورد القابل للاستخلاص من الحقل.
وتتضح الصورة أكثر في أن نحو 67% من احتياطيات السعودية المؤكدة من النفط الخام كانت، بنهاية 2024، موجودة في مكامن لم يتجاوز استنزافها 40%. أي إن نحو ثلثي الاحتياطيات المؤكدة تقع في مكامن لا يزال فيها ما لا يقل عن 60% من الكميات القابلة للاستخلاص.
وتعتمد أرامكو على الموازنة بين مناطق الإنتاج الناضجة والمصادر الأحدث، وإدخال مكامن جديدة عند الحاجة للمحافظة على مستوى الإنتاج، بدل تعظيم معدل الإنتاج من كل حقل. ويساعد هذا النهج على ضبط معدلات الاستنزاف وتحسين كمية النفط التي يمكن استخلاصها من المكامن على المدى الطويل، مع رفع كفاءة رأس المال.
وتظهر النتيجة الاقتصادية لهذه الإدارة في تكلفة الإنتاج؛ إذ بلغ متوسط تكلفة الرفع 3.51 دولار للبرميل المكافئ النفطي في 2025، وهي التكلفة التشغيلية المرتبطة بإنتاج النفط والغاز، فيما بلغ متوسط الإنفاق الرأسمالي في قطاع التنقيب والإنتاج 8 دولارات لكل برميل مكافئ منتج. وتربط أرامكو هذه المستويات بنموذج التشغيل منخفض الاستنزاف، وطبيعة التكوينات الجيولوجية في السعودية، ومواقع المكامن، والبنية التحتية الواسعة.
توضح المقارنة بين حوض البرميان والسعودية اختلافًا في متطلبات المحافظة على الإنتاج على المدى الطويل. ففي النفط الصخري الأمريكي، تتطلب معدلات التراجع في الآبار استمرار إضافة آبار جديدة، بالتزامن مع تراجع إنتاجية بعض مواقع الحفر في البرميان. أما في السعودية، فتتيح إدارة الإنتاج بين المكامن المختلفة المحافظة على معدلات استنزاف منخفضة وتكاليف إنتاج تنافسية. وتمنح هذه الإدارة السعودية قدرة على المحافظة على إنتاج واسع بتكاليف تنافسية، مع ضبط معدلات استنزاف المكامن والاحتفاظ بجزء كبير من الكميات القابلة للاستخلاص للإنتاج مستقبلًا.
مهندسة بترول وباحثة في اقتصادات الطاقة
