الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 2 يونيو 2026 | 16 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

بين السعر والتكلفة .. هل فقدت أسواق النفط بوصلتها؟

د. مسفر بن جارالله
د. مسفر بن جارالله
السبت 25 أبريل 2026 11:43 |3 دقائق قراءة

 "الأسعار التي على الشاشات لا تعكس السعر الحقيقي الذي يدفعه المشتري النهائي". بهذا التصريح، أرسل وزير المالية السعودي محمد الجدعان — على هامش اجتماعات صندوق النقد الدولي في واشنطن — رسالة واضحة للأسواق مفادها أن ما نراه على الشاشات لا يعكس القيمة الحقيقية للسلع، وعلى رأسها النفط، بل أهمها على الإطلاق. والهدف من هذا المقال ليس تحليل أبعاد هذا التصريح، بل التوقف عند معناه الاقتصادي. ولذلك يبرز السؤال الجوهري: لماذا لا تعكس أسعار مؤشرات النفط السعر الحقيقي في الواقع؟

أولًا، لا بد من توضيح أن السعر الذي نراقبه يوميًا — سواء لخام برنت أو دبي — هو في حقيقته سعر مالي بحت، يتشكل وفق توقعات المضاربين والمستثمرين، ولا ينتهي في الغالب بتسليم فعلي لبراميل النفط. فهنا يتحول النفط من سلعة مادية إلى أداة استثمارية. ويكفي أن نعرف أن ما يتم تداوله عالميًا في الأسواق الورقية يراوح بين 1 و2 مليار برميل يوميًا، بينما لا يتجاوز الاستهلاك الفعلي عالميًا نحو 102 مليون برميل يوميًا.

وهذه الفجوة الهائلة تفسر لماذا لا يعكس السوق الورقي الواقع، بل يعكس التوقعات. وهو ما يجعله المحرك الرئيسي للأسعار على المدى القصير، ويزيد من حدة تذبذبها، بينما تبقى العوامل الاقتصادية والجيوسياسية هي المحدد الحقيقي للاتجاه على المدى الطويل.

وفي الظروف الطبيعية، لا تكون هذه الفجوة كبيرة، إذ يظل السعر قريبًا من الواقع. لكن مع تصاعد المخاطر والتوترات الجيوسياسية — خصوصًا في مناطق حساسة مثل مناطق الإنتاج والمضائق الحيوية — تبدأ هذه الفجوة في الاتساع بشكل طردي.

دعونا ننتقل إلى جانب آخر، وهو كيفية تسعير النفط تجاريًا بشكل فعلي، ولنأخذ أرامكو السعودية كنموذج. فالشركات المنتجة، وعلى رأسها أرامكو، لا تبيع النفط بالسعر المجرد الذي يظهر في الشاشات، بل تعتمد على نظام تسعير يقوم على سعر مرجعي عالمي، مضافًا إليه فرق سعري (علاوة أو خصم)، يختلف حسب المنطقة، ونوعية الخام، وحجم الطلب، إلى جانب عوامل أخرى. وبذلك، يكون السعر مرتبطًا بالسوق ارتباطًا وثيقًا، لكنه ليس مطابقًا له.

والأهم من ذلك أن هذا السعر لا يعكس التكلفة الفعلية التي يدفعها المشتري النهائي. فالسعر الذي تعلنه أرامكو هو سعر عند نقطة التحميل — في ميناء مثل رأس تنورة — وليس السعر عند نقطة الاستهلاك.

ومن هنا تبدأ الفكرة الجوهرية في تصريح الوزير بالوضوح. فالتكلفة الحقيقية لا تتوقف عند سعر الشراء، بل تبدأ بعده. وتشمل الشحن، والتأمين، والتمويل، والمخاطر، وكلها عناصر تتضخم بشكل كبير في أوقات التوترات الجيوسياسية حيث تشير بعض التقديرات إلى أن تكلفة التأمين والشحن تتضاعف لتضيف عشرات الدولارات إلى تكلفة البرميل الواحد. وفي ظل الظروف الحالية، تتحول المشكلة من “توفر النفط” إلى “إمكانية وصوله”. فالإمدادات قد تكون موجودة، لكن الطريق إليها أصبح أكثر تكلفة وتعقيدًا.

في النهاية، ربما لم تفقد الأسواق بوصلتها بالكامل، لكنها في الظروف الحالية لم تعد تقيس الاتجاه كما كانت في السابق. فالسعر الذي يظهر على الشاشات لم يعد كافيًا لفهم السوق، بل أصبح من الضروري النظر إلى ما وراءه. فالأسعار لم تعد مقياسًا لحجم العرض والطلب فقط، بل أصبحت مقياسًا لمستوى القلق في السوق.

وبين رقم مجرد يُعرض على الشاشات، وتكلفة أعلى يدفعها المشتري النهائي، لم يعد النفط يُسعّر كـ “سلعة"... بل كـ “مخاطر".

أكاديمي وباحث في شؤون النفط

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية