الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 2 يونيو 2026 | 16 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

بين أروقة وزارة الطاقة

م. عبدالرحمن النمري
الاثنين 19 يناير 2026 15:4 |3 دقائق قراءة


عبد الرحمن النمري

سعدت بحق بلقاء كوادر وطنية يشار إليها بالبنان في الإدارة العامة للذكاء الاصطناعي وتطوير الأعمال في وزارة الطاقة السعودية، والتي تمتلك وعيا عميقا بأن الطاقة لم تعد مجرد عمليات معزولة عن بعضها للإنتاج والاستهلاك، بل منظومة متكاملة تدار بالبيانات، وتحكم بالتقنية، وتقاس بالكفاءة والأثر.

في تلك الأروقة، رأيت أن الملفات لا تدار بوصفها أرقاما جامدة أو جداول للاستهلاك، بل باعتبارها معادلات تمس أمن الطاقة، واقتصادها، واستدامة مواردها، وقدرتها على المنافسة في عالم تتسارع فيه التحولات التقنية بوتيرة غير مسبوقة.

من هذا المنطلق، لم يعد الذكاء الاصطناعي خيارا ثانويا في اعتقادي، بل أداة إستراتيجية لإعادة صياغة مفهوم كفاءة الإنتاج وترشيد الاستهلاك، وللانتقال من الإدارة التقليدية للطاقة إلى أنموذج أكثر دقة وذكاء. تدرك وزارة الطاقة يقينا  أن التحدي الحقيقي لا يكمن في زيادة الإنتاج فقط، بل في تعظيم القيمة من كل وحدة طاقة يتم إنتاجها أو استهلاكها، وتحويل البيانات من عبء تشغيلي إلى أصل إستراتيجي داعم لصناعة القرار.

برز دور تطبيقات الذكاء الاصطناعي بوضوح في تحليل البيانات الضخمة المتولدة من الحقول، ومحطات التوليد، وشبكات النقل والتوزيع. هذه البيانات، التي كانت تقرأ سابقا بشكل مجتزأ أو بعد فوات الأوان، أصبحت اليوم تحلل لحظيا، ما يتيح التنبؤ بالأعطال قبل وقوعها، وتحسين جداول الصيانة، وتقليل الفاقد الفني، ورفع كفاءة التشغيل واستدامته، دون المساس بموثوقية الإمدادات.

في جانب الإنتاج، أسهمت أنظمة التعلم الآلي في تحسين كفاءة الاستخلاص ورفع موثوقية العمليات التشغيلية، سواء في قطاع النفط والغاز أو في مشاريع الطاقة الأخرى. حيث بات بالإمكان محاكاة سيناريوهات تشغيلية متعددة، واختيار الأفضل منها اقتصاديا وبيئيا، واتخاذ قرارات مبنية على احتمالات دقيقة بدلا من الافتراضات العامة، ما انعكس بشكل مباشر على خفض التكاليف، وتحسين العوائد، وتعزيز استقرار منظومة الطاقة.

على مستوى الاستهلاك، أرى التحول الجلي لوزارة الطاقة من مفهوم “إدارة الطلب” إلى أنموذج أكثر تطورا قائم على “الطلب الذكي” ومن أبرز فوائد تطبيق الذكاء الاصطناعي في هذا السياق تطوير خرائط تفاعلية ذكية قادرة على رصد وتحليل أنماط الاستهلاك بدقة عالية، وربطها بالموقع الجغرافي وطبيعة المنشأة. هذه الخرائط تمكّن الجهات المختصة من تحديد المنشآت المخالفة لأنظمة استهلاك الكهرباء، وكشف حالات التلاعب، مثل استغلال كهرباء المساجد أو المرافق العامة في أنشطة أخرى، أو تغذية منازل ومنشآت مجاورة بغير وجه حق، وهي ممارسات كان من الصعب اكتشافها بالوسائل التقليدية.

هذا النوع من التطبيقات لا يحقق العدالة في توزيع الطاقة فحسب، بل يحمي المال العام، ويعزز كفاءة الشبكة، ويرفع من موثوقية البيانات المستخدمة في صناعة القرار. كما أنه يحول الرقابة من جهد ميداني مكلف إلى رقابة ذكية قائمة على التحليل الاستباقي، ويؤسس لسلوك استهلاكي أكثر انضباطا وشفافية.

الأهم أن وزارة الطاقة لم تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كحل تقني معزول، بل كجزء من منظومة حوكمة متكاملة، تربط بين السياسات والتنظيم والاستثمار وبناء القدرات البشرية، فالاستثمار في الكفاءات الوطنية القادرة على فهم هذه التقنيات وتطويعها هو الضمان الحقيقي لاستدامة الأثر.

بين أروقة وزارة الطاقة، يتشكل اليوم أنموذج جديد لإدارة الطاقة، أنموذج يقوده الذكاء الاصطناعي ويستند إلى البيانات، لكنه في جوهره قرار وطني واع يوازن بين الكفاءة الاقتصادية، والاستدامة، وحماية الموارد، ويؤسس لمرحلة أكثر نضجا وريادة في إدارة أحد أهم قطاعات الدولة.

مختص في شؤون الطاقة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية