لم تعد الدولة تكتفي بتنظيم الأسواق، بل أصبحت لاعبا يعيد تشكيلها. وما يحدث في القطاع العقاري السعودي يعكس هذا التحول بوضوح.
ما قام به برنامج الإسكان خلال السنوات الماضية لا يمكن قراءته كسياسة دعم تقليدية، بل كتحول في دور البرامج الحكومية من أدوات تمويل ودعم إلى منصات تمكين وتنظيم للسوق. فالأثر لم يتوقف عند رفع نسب التملك، بل امتد إلى إعادة ترتيب السوق العقارية، وإطلاق منتجات أكثر ابتكارا، وبناء قواعد تنظيمية تجعل القطاع أكثر قدرة على النمو والاستدامة.
الوصول إلى نسبة تملك بلغت 66.24%، مع امتلاك أكثر من 851,387 أسرة سعودية لمساكنها، لا يعكس فقط نجاحا في تحقيق مستهدفات الإسكان، بل يعكس كيف يمكن للسياسات أن تعيد توجيه السوق نفسها. لأن هذه النتيجة جاءت نتيجة تدخلات وسياسات استهدفت العرض والطلب معا.
في جانب العرض، لم تكتف السياسات بتحفيز المطورين، بل اتجهت إلى إعادة ضخ الأراضي والوحدات في السوق، عبر توسيع نطاق المشاريع السكنية، وتسريع تطوير الأراضي، وتوفير خيارات أكثر تنوعا للمواطنين بأسعار أكثر قابلية للتملك. هذه التحركات لا تعكس تنظيما فقط، بل إدارة فعلية للمعروض، ومحاولة لمعالجة أحد أبرز التحديات في السوق العقارية.
في المقابل، لم تقتصر السياسات على زيادة المعروض، بل امتدت إلى التأثير في سلوك السوق نفسها. فتعديلات رسوم الأراضي البيضاء، وتمديد العمل ببرنامج الرهن الميسر، وضبط العلاقة بين المؤجر والمستأجر، كلها أدوات تعمل من زوايا مختلفة لإعادة ضبط التوازن بين العرض والطلب، لا مجرد تحفيز النشاط. وهذا ما تجعل السوق اليوم أكثر ارتباطا بتوجهات السياسات، وليس فقط بقوى العرض والطلب التقليدية.
التحول لم يكن في حجم التدخل فقط، بل في طريقة التعامل مع المشكلة. فإطلاق خدمة الترخيص الفوري لمشاريع البيع على الخارطة لأول مرة عالميا لا يعني مجرد تسريع الإجراءات، بل معالجة أحد العوائق الأساسية في السوق العقارية، وهي طول دورة التطوير. فكلما طالت دورة الموافقات والإجراءات، ارتفعت تكلفة المشروع وتأخر دخول الوحدات إلى السوق. لذلك يصبح تقليص هذه المدة أداة اقتصادية مهمة، تسهم في زيادة المعروض وخفض التكاليف غير المباشرة.
لكن هذه السرعة تفتح اختبارا جديدا. فتسريع الإجراءات لا ينجح بذاته ما لم يترافق مع رقابة أعلى والتزام أوضح، يضمن ألا تتحول سرعة الإطلاق إلى تعثر لاحق في التنفيذ. وهنا يظهر التوازن الحقيقي، ليس بين التنظيم والتسهيل فقط، بل بين تسريع السوق والحفاظ على جودتها.
كما أن هذا التحول لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة تراكم بدأ منذ سنوات، من إطلاق منصات مثل سكني وإيجار، إلى تنظيم البيع على الخارطة، إلى بناء قواعد بيانات أكثر شمولية للأراضي والممتلكات. ما يحدث اليوم هو نتيجة مسار طويل، وليس قرارا منفصلا.
هذا النوع من التدخل لم يعد مقتصرا على الإسكان فقط، بل نراه في قطاعات أخرى وفي دول مختلفة، من الطاقة إلى أشباه الموصلات، حيث لم تعد الحكومات تكتفي بتنظيم الأسواق، بل تتجه إلى تمكينها وتحفيزها. وهذا يعكس تغيرا أوسع في دور الدولة داخل الاقتصاد.
وهنا تكمن أهمية التجربة. فنجاح برنامج الإسكان لا يقاس فقط بارتفاع نسب التملك، بل بقدرته على نقل السوق العقارية إلى مرحلة أكثر نضجا وتنظيما. غير أن الاختبار الحقيقي في المرحلة المقبلة سيكون في استدامة هذا التحول، بحيث تبقى الدولة ممكنة ومنظمة للسوق، ويبقى القطاع الخاص قادرا على النمو وفق مستهدفاته داخل سوق عقارية أكثر توازنا واستقرارا. وربما تكون المرحلة المقبلة هي الأهم، لأنها لن تختبر قدرة السوق على النمو فقط، بل قدرتها على الاستمرار بهذا التوازن.
كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال
