شهدت جبال الهيمالايا في نيبال ومنطقة التبت الصينية في 2024 فيضاناً كارثياً ناجماً عن انهيار جليدي وصخري، أسفر عن وفاة 157 شخصاً وفقدان المئات. يهدد ذوبان الجليد الدائم في المرتفعات بفقدان استقرار التضاريس وزيادة الفيضانات الأرضية، مع تزايد هذه الكوارث بسبب تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة عالمياً.
من رسائل بولس الرسول إلى كلمات الشاعر الغنائي إيرا جيرشوين، ظلّت الجبال على مدى آلاف السنين رمزاً للثبات والرسوخ. لكن احترار كوكب الأرض بدأ يزعزع هذه الصورة، مخلفاً انهيارات أرضية وفيضانات وانهيارات ثلجية.
كانت المشاهد المروّعة التي خلّفتها الفيضانات المفاجئة، الأربعاء، على الحدود بين نيبال ومنطقة التبت الصينية، أحدث مثال على الدمار الذي قد ينجم عن مثل هذه التحولات.
فقد بلغ عدد الوفيات المؤكدة 157 شخصاً على الأقل، فيما لا يزال المئات في عداد المفقودين، بعدما اجتاحت كتلة هائلة من الطمي والصخور أودية في جبال الهيمالايا، ليرتفع منسوب نهر تريشولي 9 أمتار (30 قدماً) في غضون نصف ساعة فقط.
الجليد الذي يمسك الجبال
تشير التحقيقات الأولية إلى أن انهيار كتلة من الجليد والصخور أطلق سيلاً جارفاً من المياه والحطام والصخور نحو المناطق الواقعة في مصب النهر. وعلى الباحثين التحرك سريعاً، إذ يُحتمل أن تكون الكارثة الأولية قد خلّفت سداً جديداً من الركام، قد يتسبب بدوره في فيضان مفاجئ آخر إذ ما انهار.
قد تميل إلى التقليل من دور التغير المناخي في مثل هذه الحوادث. فاليوم، يمكن ربط موجات الحر والبرد وحالات هطول الأمطار الغزيرة المتطرفة بالاحترار العالمي بدرجة عالية من الثقة بفضل علم إسناد الظواهر الجوية. كما يمكن تتبع التأثير نفسه في موجات الجفاف وحرائق الغابات، وإن كان بدرجة أقل من اليقين.
لكن الأمر يصبح أكثر تعقيداً مع الانهيارات الأرضية والفيضانات المصاحبة لها. فهذه الكوارث قد تنجم عن سلسلة متشابكة من العوامل التي تزعزع استقرار أراضٍ ظلت راسخة لفترات طويلة، ما يجعل من الصعب تمييز أثر الاحترار العالمي وسط العوامل الأخرى.
ربما من الصعب رصد أثر تغير المناخ في كل كارثة على حدة، لكن الصورة العامة واضحة بما لا يترك مجالاً للشك. فالعنصر الأساسي الذي يحافظ على تماسك كثير من التضاريس في المناطق المرتفعة ليس الجرانيت أو الشست أو الحجر الجيري، بل الجليد.
يقع نحو ربع مساحة اليابسة على كوكبنا تحت الصفائح الجليدية أو ضمن مناطق التربة الصقيعية، حيث تظل الأرض متجمدة من عام إلى آخر، سواء عند المناطق القريبة من القطبين أو على الارتفاعات الشاهقة. وهناك، يعمل الجليد كالغراء الذي يبقي على تماسك التربة والصخور معاً. لكن مع ارتفاع درجات الحرارة، تضعف هذه البنية المتجمدة، ما يهدد بحدوث انهيار مفاجئ، يشبه انزلاق الثلوج عن أسطح الأكواخ الجبلية مع حلول الربيع.
خطر يتسارع في المرتفعات
وهذا ما تشهده اليوم مناطق جبلية في 4 قارات؛ فحين يذوب الجليد الدائم، تنهار المنحدرات الشديدة تحت وطأة وزنها. وتفاقم دورات التجمد والذوبان المتكررة الضرر الناجم عن هذه العملية، إذ تتسلل المياه إلى أعماق الشقوق الصخرية ثم تتبلور إلى جليد، فتدفع الصخور بعيداً عن بعضها شيئاً فشيئاً، وتتغلغل بشكل أعمق مع كل دورة موسمية.
تشكّل الأنهار الجليدية دعامات طبيعية تسند الجروف. لكن مع ارتفاع حرارة الغلاف الجوي، تنحسر هذه الأنهار نحو أعالي الوديان، فتسحب معها دعائم ثبّتت التضاريس لآلاف السنين. ويزداد الوضع هشاشة حين تهطل الأمطار بدلاً من الثلوج، إذ يصبح الأكثر ترجيحاً أنها تؤدي إلى تعرية سطح الأرض وتنحت فيه قنوات عميقة، ما يضعف تماسك التربة بشكل أكبر.
تتراكم الأدلة على أن فقدان الاستقرار يتسارع. فمن بين أسوأ 10 سنوات من حيث فقدان الأنهار الجليدية منذ بدء السجلات عام 1950، 8 منها وقعت منذ 2016. وعلى ارتفاعات تتجاوز 3 آلاف متر في شرق جبال الهيمالايا، باتت الانهيارات الأرضية تزيح كميات من الصخور والتربة تفوق بـ5أضعاف ما كانت تزيحه في ثمانينات القرن الماضي.
كما زاد تواتر فيضانات البحيرات الجليدية المفاجئة بنحو 3 أضعاف بين تسعينات القرن الماضي والعقد الثاني من الألفية. ويحدث هذا النوع المدمر من الكوارث عندما ينهار فجأة السد الذي يحجز مياه الأنهار الجليدية الذائبة.
فيضانات جليدية تهدد الملايين
رغم ما أظهرته المقاطع المصورة من المشاهد المروعة التي خلّفتها كارثة هذا الأسبوع، فإنها قد لا تكون الأشد وطأة. ففي عام 2013، لقي أكثر من 6 آلاف شخص حتفهم في محيط بلدة كيدارناث الهندية التي يقصدها الحجاج، بعدما تزامنت الأمطار الموسمية الغزيرة مع ذوبان الثلوج وفيضان بحيرة جليدية، ما أطلق فيضانات كارثية.
وفي عام 2021، اعتُبر 200 شخص في عداد القتلى أو المفقودين، بعدما اجتاحت السيول والصخور موقعَي إنشاء محطتين للطاقة الكهرومائية في تشامولي، جنوب شرقي كيدارناث. ويتسارع تحول الصيف في الهيمالايا إلى موسم تقع فيه هذه الكوارث بصورة متكررة، بعدما كان وقوعها حدثاً نادراً.
ولا تقف هذه المخاطر عند حدود آسيا. ففي جونو، عاصمة ولاية ألاسكا الأمريكية، تحولت فيضانات البحيرات الجليدية المفاجئة إلى تهديد يتكرر سنوياً، وكان أحدثها قبل أسابيع قليلة. وفي منتجع زيرمات السويسري الفاخر للتزلج، يجري إنشاء سد جديد للطاقة الكهرومائية بتكلفة 630 مليون دولار، صُمم جزئياً لحماية البلدة من مخاطر ذوبان نهر جورنر الجليدي.
ويمتد الخطر إلى نطاق أوسع بكثير، إذ يعيش نحو 15 مليون شخص حول العالم في مناطق مهددة بفيضانات البحيرات الجليدية.
السياسات المناخية تتراجع رغم المخاطر
لا تلوح في الأفق أي مؤشرات على أن العالم يتحرك لخفض الانبعاثات بالسرعة اللازمة لتفادي هذه الكارثة. ففي أوروبا، حيث أودت موجات الحر الصيفية بحياة أكثر من 30 ألف شخص إضافي، يتعامل الساسة مع ملف المناخ على أنه قضية شائكة، فيما تتراجع شركات عن أهدافها لتحقيق الحياد الكربوني.
ويُرجح أن تسجل الهند، التي تضم أكبر عدد من السكان المعرضين لخطر الفيضانات الجبلية، خلال العقد المقبل أكبر زيادة في الانبعاثات عالمياً. أما الولايات المتحدة، فتمضي في إلغاء سياسات وُضعت للحد من بصمتها الكربونية.
على خلاف تداعي المنحدرات الجبلية، فإن هذه المواقف السياسية خيارات بشرية وليست من قوى الطبيعة. فقد تتزعزع الجبال تحت أقدامنا، لكن لا عذر لأصحاب القرار ليقفوا مكتوفي الأيدي أمام هذا الخطر.
كاتب عمود في بلومبرغ ويغطي السلع، وكذلك الشركات الصناعية والاستهلاكية. مراسل لبلومبرغ نيوز، وداو جونز، وصحيفة وول ستريت جورنال، وفاينانشيال تايمز، والجارديان سابقا.
خاص بـ"الشرق بلومبرغ"
