منذ وقت طويل، جرى تقديم الاقتصاد الرقمي وكأنه اقتصاد غير ملموس، لا يحتاج كثيرا إلى الأصول المادية ولا يتقيد بالمكان. بدت البيانات أسرع من السفن والطائرات، وبدت المنصات أهم من الأصول التقليدية، فيما أصبحت البرمجيات في نظر الأسواق أكثر قيمة من المصانع. حتى مصطلح السحابة أسهم في ترسيخ هذا التصور، وكأن التقنية أصبحت منفصلة عن الجغرافيا والطاقة والبنية التحتية. لكن ما يحدث اليوم يكشف عكس ذلك. فالعالم الرقمي لم يكن خفيفا كما كنا نعتقد، بل كان يقوم في خلفيته على أصول مادية ضخمة لم تكن ظاهرة بالوضوح نفسه.
أعاد الذكاء الاصطناعي هذه الحقيقة إلى الواجهة. فكل نموذج جديد لا يحتاج فقط إلى مهندسين وخوارزميات، بل إلى طاقة هائلة، وأنظمة تبريد، ومراكز بيانات، وكابلات بحرية، ورقائق متقدمة، وسلاسل إمداد تمتد عبر دول عدة. وكلما توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، أصبح الاقتصاد الرقمي أكثر ارتباطا بالطاقة والبنية التحتية، بعدما كان ينظر إليه لسنوات كاقتصاد منفصل نسبيا عن المكان.
لهذا لم يكن مستغربا أن تصبح الرقائق الإلكترونية قضية إستراتيجية لدى الولايات المتحدة، وأن تبدأ واشنطن في إعادة جزء من صناعة أشباه الموصلات إلى الداخل الأمريكي بعد سنوات طويلة من الاعتماد على آسيا. فالمسألة لم تعد مرتبطة بالتفوق التقني وحده، بل بالقدرة على ضمان الوصول المستمر إلى الحوسبة والطاقة وسلاسل الإمداد في عالم أصبح أكثر حساسية للمخاطر الجيوسياسية.
ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، بدأت المنافسة تتحول من مجرد تطوير النماذج إلى القدرة على تشغيلها بكفاءة وسرعة وتكلفة أقل. فمرحلة ما يعرف بـInference، أي تشغيل النماذج على نطاق واسع، أصبحت تستهلك كميات كبيرة من الحوسبة والطاقة. وهذا ما يفسر تصاعد أهمية شركات مثل شركة Groq المتخصصة في تسريع تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تسارع الاستثمار العالمي في مراكز البيانات والبنية التحتية الحاسوبية. فالقيمة لم تعد في بناء النموذج الذكي فقط، بل في القدرة على تشغيله لملايين المستخدمين بشكل مستمر وبتكلفة يمكن تحملها.
وفي المقابل، بدأت دول أخرى تنظر إلى الذكاء الاصطناعي من زاوية تتجاوز مجرد استخدام التطبيقات. فالمنافسة لم تعد على من يملك التطبيق الأفضل فقط، بل على من يملك البنية التحتية القادرة على تشغيل هذه التطبيقات بكفاءة عالية.
وتظهر هذه الفكرة بوضوح في التجربة السعودية. فقد تحدث الرئيس التنفيذي لشركة هيوماين عن تجربته السابقة في شركة أرامكو الرقمية، موضحا أن أحد أكبر التحديات لم يكن تطوير حلول الذكاء الاصطناعي نفسها، بل سرعة الوصول إلى البنية التحتية الحاسوبية اللازمة لتشغيلها.
فالحصول على تجهيزات متخصصة للذكاء الاصطناعي كان يستغرق أشهرا طويلة، وهو ما دفع أرامكو الرقمية حينها إلى الاستثمار في شركة Groq، إلى جانب العمل على بناء مركز بيانات في الدمام يعتمد على هذه التقنيات.
لكن الأهم في هذه التجربة لم يكن الجانب التقني وحده، بل ما كشفته اقتصاديا. فالمركز أصبح يخدم مطورين من أكثر من 150 دولة، مع استخدام واسع من مطورين خارج المملكة. وهذا يُظهر تحولا أعمق يتمثل في إمكانية تصدير القدرة الحاسوبية نفسها من داخل السعودية، وليس الاكتفاء باستهلاك التقنية أو استيرادها.
ومن هنا تبدو فكرة تصدير التوكنز من السعودية أكثر من مجرد تعبير تقني. فالتوكنز، هي الوحدات الرقمية التي يعالجها الذكاء الاصطناعي أثناء تشغيل النماذج وتوليد المحتوى، أصبحت جزءا من اقتصاد جديد يقوم على القدرة الحاسوبية والطاقة والبنية التحتية. فالقيمة لم تعد محصورة في بناء التطبيقات أو استخدام النماذج، بل أصبحت في امتلاك الحوسبة اللازمة لتشغيلها وتقديمها للعالم.
فالذكاء الاصطناعي، الذي تم تقديمه لسنوات باعتباره عالما افتراضيا منفصلا عن الواقع المادي، يعيد اليوم أهمية الأصول المادية إلى الواجهة. مراكز البيانات أصبحت أصولا إستراتيجية، والطاقة تحولت إلى عنصر مؤثر في سباق الذكاء الاصطناعي، وحتى الموقع الجغرافي عاد ليصبح عاملا مؤثرا في قدرة الدول على المشاركة في الاقتصاد الرقمي العالمي.
العالم لم يغادر الاقتصاد الحقيقي كما كان يعتقد البعض، بل عاد إليه بشكل مختلف وأكثر تكلفة. وكلما أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر تقدما، زادت حاجته إلى الطاقة والبنية التحتية والرقائق. ولهذا فإن المنافسة المقبلة لن تكون فقط على تطوير النماذج الذكية، بل على امتلاك البنية التحتية التي يحتاجها العالم الرقمي.
كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال
