د. أحمد آل درويش
في كل يوم دراسي، يخرج آلاف الطلاب إلى الفسحة، وأمام كل واحد منهم دقائق قليلة ليختار ما يأكله. يبدو القرار بسيطًا، لكنه يتكرر مئات المرات خلال سنوات الدراسة، وقد يتحول مع الوقت إلى عادة غذائية لها أثر دائم. لهذا تكتسب الأرقام التي أعلنت عنها منظمة الصحة العالمية دلالة تتجاوز الجانب الصحي، فبحسب تقديراتها لعام 2025، كان نحو طفل أو مراهق واحد من كل 10 في سن الدراسة، أي نحو 188 مليونًا، يعيش مع السمنة عالميًا. ولم تكتف المنظمة بعرض الرقم، بل دعت إلى النظر إلى المدرسة بوصفها بيئة قادرة على التأثير في ما يأكله الطفل وكيف يختاره.
هذه النقطة تستحق أن تُقرأ اقتصاديًا أيضًا. فالطالب الذي يجلس اليوم في الفصل سيكون بعد سنوات جزءًا من قوة العمل، وصحته وقدرته على التعلم والعادات التي يكتسبها مبكرًا تدخل كلها في تكوين رأس المال البشري. لذلك لا يبدأ الحديث عن إنتاجية الإنسان عند أول يوم له في الوظيفة، بل قبل ذلك بسنوات، حين تتشكل صحته وسلوكه وقدرته على اتخاذ القرار.
ولهذا تعاملت دول عدة مع الوجبة المدرسية باعتبارها جزءًا من البيئة التعليمية، لا مجرد خدمة غذائية. ففي فنلندا والسويد ترتبط الوجبات المدرسية بمعايير غذائية وتعليمية، وفي اليابان تُستخدم الوجبة نفسها أداة عملية للتعلم، بينما تطبق إنجلترا معايير واضحة للغذاء المدرسي. ولا تكمن القيمة في نسخ أي نموذج كما هو، بل في الفكرة المشتركة: المدرسة تستطيع أن تصنع بيئة غذائية أفضل، وأن تحول الطعام من منتج يُباع إلى سلوك يُتعلم.
الخطوة التالية، في رأيي، هي ألا نكتفي بتنظيم ما يُعرض في المقصف. فقد تكون جميع المنتجات مطابقة للاشتراطات، لكن ذلك لا يخبرنا بما يختاره الطالب فعليًا. ربما يكون الخيار الصحي موجودًا، لكنه أغلى سعرًا، أو أقل ظهورًا، أو أصعب تناولًا في وقت الفسحة. وربما يكون منتج آخر أكثر جاذبية بسبب موقعه أو حجمه أو طريقة تقديمه. هنا يصبح السؤال الحقيقي: ماذا يحدث عند نقطة الاختيار؟
منظمة الصحة العالمية نفسها أشارت إلى أهمية تدخلات من هذا النوع، مثل تغيير موضع المنتج وطريقة عرضه وسعره لتشجيع الاختيارات الأفضل. لكن فاعلية هذه التدخلات لا تُعرف بالانطباع. ما نحتاجه هو اختبارها في البيئة المحلية، ثم معرفة أيها يغير السلوك فعلًا. ومن أهم الاقتراحات التي أرى أنها عملية هي استخدام بيانات أنظمة البيع الإلكترونية، حيثما توفرت، وبالطبع لا حاجة إلى تتبع الطالب كفرد أو بناء ملف استهلاكي عنه، فالبيانات المجمعة والمجهولة الهوية تكفي للإجابة عن أسئلة مفيدة: ما الأصناف الأكثر طلبًا؟ هل يتغير الإقبال عندما ينخفض الفارق السعري؟ ماذا يحدث إذا وضعت الوجبة المتوازنة في موقع أسهل؟ وهل تختلف الاستجابة بين المرحلة الابتدائية والثانوية؟
والأفضل أن تبدأ هذه الفكرة كتجارب محدودة لا كمشروع واسع منذ اليوم الأول. يمكن مثلًا اختيار عدد من المدارس، وتغيير عامل واحد في كل مجموعة: السعر في مجموعة، وطريقة العرض في أخرى، وتركيب الوجبة في ثالثة. ثم تقارن النتائج قبل التدخل وبعده. ما يثبت نجاحه يتوسع، وما لا ينجح يعدل أو يستبعد. بهذه الطريقة تصبح السياسة قابلة للتعلم، بدل أن تتحول إلى قائمة تعليمات ثابتة يصعب معرفة أثرها.
ولعلنا هنا نحاول الربط مع إنتاجية الإنسان، ولا نريد أن نبالغ بالقول إن تغيير موضع منتج في المقصف اليوم سيرفع إنتاجية الاقتصاد غدًا، فهذا تبسيط مبالغ فيه، لكن يمكن تتبع سلسلة من النتائج الوسيطة والأقرب وتركز على ما إذا تحسن الاختيار الغذائي؟ وهل قل الهدر؟ أو هل ازداد الإقبال على وجبات أكثر توازنًا؟ وهل تظهر في التجارب الممتدة مؤشرات أفضل للحضور أو التركيز؟ هذه النتائج لا تقيس الإنتاجية مباشرة، لكنها تخبرنا إن كنا ندعم اثنين من أهم مكوناتها على المدى الطويل وهي الصحة والقدرة على التعلم.
كما يمكن لهذا النهج أن يعيد صياغة العلاقة مع الشركات المشغلة والمزودة، فبالطبع من حقها تحقيق ربح واستدامة، لكن نجاح التشغيل داخل المدرسة لا ينبغي أن يقاس بالمبيعات وحدها، فهناك مسؤولية اجتماعية. ويمكن أن تتضمن العقود مؤشرات تتعلق بتنوع الخيارات وتوفير الصحي منها، والفارق السعري بين البدائل، وتوافر الوجبات الأفضل غذائيًا، والهدر، ورضا الطلاب والأسر، وأن يطبق على جميع المدارس الحكومية والخاصة، عندها يصبح الحافز التجاري أقرب إلى الهدف الصحي والتعليمي بدل أن يعمل كل منهما في اتجاه مختلف.
ويبقى التعليم الغذائي جزءًا مهمًا من الصورة، لكن قيمته الحقيقية تظهر عندما يتحول إلى مهارة. فإذا تعلم الطالب قراءة البطاقة الغذائية، فالمهم أن يستطيع استخدامها عندما يقارن بين منتجين حتى خارج المدرسة. وإذا فهم معنى السكر المضاف أو الصوديوم، فهل يساعده ذلك على قرار أفضل؟ هنا يلتقي التعليم مع البيئة المحيطة به، بدل أن يبقى كل منهما منفصلًا عن الآخر.
قد تبدو الفسحة المدرسية دقائق قليلة، لكنها تتكرر آلاف المرات خلال سنوات الدراسة. وما يتكرر يصنع عادات، والعادات تصنع جانبًا من صحة الإنسان وقدرته على التعلم والعمل. لذلك فإن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا نسمح بأن يُباع للطالب؟ بل: هل صممنا بيئة تساعده على الاختيار الأفضل، وهل نستطيع أن نثبت بالأدلة أن هذا الاختيار يتحسن؟
إذا نجحنا في الإجابة عن هذا السؤال، فلن يكون المقصف مجرد مكان لبيع الطعام، بل مساحة صغيرة يمكن من خلالها اختبار تنظيم أو سياسة عامة أكبر تتمحور حول كيف نحول الوقاية المبكرة من فكرة جيدة إلى أثر يمكن قياسه، وكيف يصبح الاستثمار في صحة الطفل جزءًا من الاستثمار في إنتاجية الإنسان مستقبلًا.
مستشار اقتصادي وعضو جمعية الاقتصاد السعودية
