لم تعد عملية إعداد السياسات والتشريعات في الدول الحديثة ممارسةً تنظيميةً تقليديةً، بل تحولت إلى حقلٍ معرفيٍّ تتداخل فيه أدوات الاقتصاد والقانون والحوكمة العامة، ويقوم على فهم العلاقة بين السياسة العامة بوصفها محددًا للاتجاهات الإستراتيجية، والسياسة التشريعية بوصفها الأداة التي تحولها إلى قواعد قانونية نافذة.
هذا التحول لم ينشأ فجأة، بل تشكل عبر مسار تاريخي طويل أعاد تعريف وظيفة التشريع من كونه فعلًا إداريًا إلى كونه عملية «هندسة قرار» قائمة على الأدلة والقياس والتحليل.
في التجربة الدولية، يظهر هذا التحول بوضوح. فقد بدأت الولايات المتحدة إدخال تقييم الأثر التنظيمي في أواخر السبعينيات قبل أن يتخذ طابعًا مؤسسيًا ملزمًا في التسعينيات، بينما سارت المملكة المتحدة في مسار تدريجي من الثمانينيات حتى منتصف العقد الأول من الألفية، وفي أستراليا امتد التطوير من منتصف الثمانينيات حتى ما بعد 2007. وفي المقابل، قدمت سنغافورة منذ مطلع الألفية نموذجًا دمج التحليل بالقرار ضمن بنية مؤسسية واحدة.
وفي المقابل، أظهرت تجارب متعددة أنَّ الاكتفاء بتبني الأدوات دون بناء مؤسسة حاكمة يؤدي إلى ممارسات إجرائية محدودة الأثر، يبقى فيها تحليل الأثر أقرب إلى الامتثال منه إلى صناعة القرار. فالفارق الحقيقي لم يكن في الأدوات، بل في وجود كيان مؤسسي قادر على إدارة دورة التشريع كاملة، وربط البيانات بالقرار، وتحويل التحليل إلى أثر قابل للقياس.
وتكشف التجربة السعودية مسارًا متدرجًا لا يقوم على القفزات المفاجئة بل على تراكم مؤسسي متتابع. فقد شكّل 2017، عبر قرار مجلس الوزراء رقم 713، نقطة انطلاق لحوكمة إعداد التشريعات وتنظيم إجراءاتها. ثم جاءت مرحلة 2021 مع إطلاق منصة «استطلاع» لتعزيز المشاركة وفتح العملية التشريعية أمام أصحاب المصلحة، بما رسخ الشفافية كجزء من بنية التشريع. ومع تفعيل برنامج تطوير ودعم الإدارات القانونية في 2025، يؤمل أن تتعزز القدرات المؤسسية عبر بناء كوادر أكثر قدرة على صياغة السياسات والتشريعات.
هذه المراحل لا تمثل مبادرات منفصلة، بل حلقات متكاملة في مسار واحد. غير أن هذا التراكم ما يزال موزعًا بين جهاتٍ وأدواتٍ متعددةٍ، بما يجعل دورة التشريع غير مكتملة التكامل بين التخطيط والتحليل والصياغة والتقييم اللاحق. ومع تعقد السياسات العامة واتساع آثارها الاقتصادية والتنظيمية، لم يعد التعامل مع التشريع بوصفه إجراءً إداريًا كافيًا. فقد أصبح نظامًا تحليليًا قائمًا على البيانات وتقييم الأثر ومحاكاة البدائل والمراجعة اللاحقة. وفي هذا النموذج، لا يعود القرار التشريعي لحظةً منفصلةً، بل جزءًا من دورة معرفية متصلة.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة لارتباط جودة البيئة التشريعية بشكل مباشر بجاذبية الاستثمار واستقرار السوق وتحقيق مستهدفات رؤية 2030، خصوصًا في تنويع الاقتصاد وتعزيز النمو غير النفطي. فوضوح التنظيمات وقابليتها للتنبؤ لم تعد عناصر مساعدة، بل أصبحت محددات أساسية لتدفقات رأس المال ومستوى المخاطر الاقتصادية.
ضمن هذا الإطار، تبدو المرحلة التالية أقل ارتباطًا بإضافة أدوات جديدة، وأكثر ارتباطًا بإعادة دمج الأدوات القائمة داخل منظومة واحدة متكاملة، تعيد تعريف العلاقة بين السياسة العامة والسياسة التشريعية بوصفها عملية واحدة قائمة على البيانات والتحليل.
ومع ما حققته منظومة حوكمة التشريعات منذ صدور قرار مجلس الوزراء رقم 713 من تقدم مهم في تنظيم إجراءات إعداد الأنظمة واللوائح ورفع مستوى الانضباط المؤسسي، فإنَّ التطور المتسارع للسياسات العامة وتعقد البيئة الاقتصادية والاستثمارية يبرزان الحاجة إلى مرحلة مؤسسية جديدة تتجاوز حوكمة الإجراءات إلى حوكمة دورة السياسات والتشريعات بأكملها. فالمرحلة القادمة تتعلق بتكامل تشخيص المشكلات وتحليل البدائل وقياس الأثر وتوحيد المنهجيات بين الجهات، بما يستكمل البناء المؤسسي الذي بدأه القرار ضمن إطار أكثر اتساقًا.
ومن هنا، يبرز مقترح تأسيس «الهيئة الوطنية للسياسات والتشريعات» باعتباره نتيجة طبيعية لمسار بدأ في 2017، وتوسع في 2021، ويتجه نحو مرحلة مؤسسية تحاكي التجارب الدولية الناجحة. هيئة لا تضيف طبقة إدارية جديدة، بل تعيد تنظيم وهيكلة البنية القائمة داخل إطار مؤسسي موحد، يربط دورة التشريع، ويوحد منهجيات تحليل الأثر، ويحول البيانات إلى عنصر مركزي في صناعة القرار، بما ينقل النظام من تحسين الإجراءات إلى بناء السياسات، ومن تعدد المبادرات إلى إنتاج أثر تشريعي متماسك ومستدام.
مستشار قانوني
