الأحد, 4 أكتوبر 2026|21 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية


علي الشدي

[email protected]

لست واعظًا يحيط بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي تنهى عن الهدر والإسراف في الغذاء وهي كثيرة واكتفي بالآية الكريمة {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} واترك هذا الموضوع لأصحاب الفضيلة المتخصصين في الوعظ والإرشاد.

ولذا أركز على الجانب الاقتصادي، خاصة وأنا كاتب في جريدة اقتصادية، وهنا سوف أعتمد لغة الأرقام حول قيمة الخسارة سنوياً، لكن قبل ذلك لا بد من لمحة تاريخية عن حالة معاناة الآباء والأجداد من شح الغذاء وشظف العيش في عقود ماضية؛ حتى إن الجميع كانوا يكتفون بوجبة متواضعة في وسط اليوم، أما خلال الليل فلا وجبات، وإنما شيء من التمر واللبن الذي لا يتوفر إلا للميسورين، وربما لأصحاب المزارع إذا بقي لهم من منتجاتهم شيء. ولو أهدي إليهم طعام من الجيران فإنه يتم حفظه لليوم التالي (أو ربما أكثر من يوم)، ويعاد إعداده ليكون ساخناً وقابلاً للأكل.

وفي حالة الولائم الكبيرة في مناسبات الزواج أو غيرها تكون الولائم فارقة في الكمية والنوع؛ إذ إن الكرم المتأصل في نفوس أهل هذه البلاد بجميع مناطقها يحضر بمظاهره، وينبع من فطرة المواطنين نحو أضيافهم دون تصنع، وخصلة الكرم محمودة في كل حال، ولكن التركيز هنا على الإفراط في الكميات أو المبالغة في الأنواع الذي يؤدي إلى هدر الغذاء؛ لذا كان شائعاً أن يقف شخص كي ينادي بصوت مسموع لمن يأكلون: إن هناك من ينتظر للأكل بعدهم؛ حتى لا يستمروا وتنتهي كمية الطعام.

هذا عن الماضي البعيد قبل أن يبدّل الله حالنا مع النعمة حتى وصلنا إلى ما تعيشه بلادنا الآن من الرخاء والعيش الكريم، ولله الحمد، لكن المشكلة الآن ذلك الإسراف والهدر الغذائي الملاحظ؛ إذ أكّدت دراسة أعدّتها هيئة الأمن الغذائي أن هدر الغذاء يكلّف السعودية أكثر من 40 مليار ريال سنوياً، فيما تبلغ نسبة الغذاء المهدر أكثر من 33%، وبيّنت الدراسة الميدانية أن الفرد في السعودية يُهدر ما يقرب من 184 كيلوجراماً سنوياً.

ولعل الجانب المطمئن ‏أن رؤية 2030 تستهدف خفض الفقد والهدر الغذائي بنسبة 50% عبر تعزيز كفاءة إدارة الغذاء وترسيخ ثقافة الاستهلاك المسؤول ما يسهم في حماية الموارد وتعزيز الاستدامة.

‏وأخيراً: بقي دور المواطن الذي يُؤمَّل أن يستجيب لحملة التوعية التي أطلقتها الهيئة العامة للأمن الغذائي ممثلةً في البرنامج الوطني للحد من الفقد والهدر الغذائي "لتدوم"؛ وكما ورد في الحملة التي حملت عنوان (القرار قرارك)، فإن هذه الحملة تهدف إلى تعزيز الوعي برحلة الغذاء حتى وصوله إلى المستهلك، وتشجيع السلوكيات اليومية التي تسهم في الحد من الهدر الغذائي.

ولعل من المهم أن تصاحب هذه الحملةَ تشريعاتٌ تحث المطاعم وقاعات الاحتفالات ومقدمي خدمات الولائم الخاصة على التعاقد مع جمعيات متخصصة في حفظ نعمة الطعام وإيصاله للمحتاجين، إضافةً إلى تقديم بعض الحوافز لمن يتقيد بالبعد عن الهدر الغذائي، وفرض جزاءات على من يتعمد الهدر الغذائي.. وأذكر أن بعض المطاعم في أوروبا فرضت غرامةً مالية على من يعبئ صحنه من البوفيه المفتوح بكمية كبيرة ثم يعجز عن أكلها.

وكلمة أخيرة تقع على عاتقنا جميعاً أن نسعى لتوعية الجيل الجديد بأهمية المحافظة على النعم كي لا تزول أو تُهدر فيما لا ينفع؛ فالملاحظ أن هذا الجيل هو الأكثر إقبالاً على الطلبات من المطاعم في كل الأوقات، إذ يكاد ينعدم تناولهم للوجبات المصنوعة في بيوتهم رغم توفر من يعدّها لهم، ما جعل من المشاهد المضحكة أن يلتقي عدد من مندوبي توصيل الأطعمة عند باب بيت واحد، في مشهد يحتاج إلى وقفات لبحث انعكاسات هذا الأمر على حفظ النعم واستسهال التفريط فيها، وكذلك الأثر الكبير في الترابط الأسري الذي تمثله الوجبات المشتركة في المنزل.

كاتب اقتصادي

منتدى الاقتصادية 2026