محمد كركوتي
بات واضحاً في الأسابيع الأخيرة من العام الجاري، أن النمو العالمي يكون متفاوتا بين منطقة وأخرى. وإذا كانت الاقتصادات الناشئة والنامية تحقق عادة أعلى معدلات للنمو، إلا أنها لن تصل إلى المستويات التي سجلتها في العقد الماضي، لأسباب باتت معروفة، في مقدمتها عدم استقرار واضح للأسواق المالية، والتوترات التجارية الراهنة، إضافة إلى العامل الحاضرعلى الساحة لمدة طويلة وهو عدم اليقين، مع التراجع المستمر لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، التي تعتمد عليها بصورة أساسية الاقتصادات الناشئة. ومع ذلك، فإنها ستتمتع بنمو أكبر هذا العام، مقارنة بنمو الاقتصادات المتقدمة التي تواجه مصاعب جمة، منذ بداية العقد الحالي، وإن خفت حدتها في العام الماضي.
في كل الأحوال، يواجه النمو العالمي مخاطر متعددة، من المرجح أن تستمر حتى نهاية العقد الحالي على الأقل. فالهشاشة باتت سمة كل الاقتصادات، بما فيها تلك التي كان ينظر إليها كمحرك لهذا النمو. والذي يرفع من حدة هذه الهشاشة الاضطرابات في العلاقات التجارية بين الدول الوازنة على الساحة الدولية. ورغم هدوء هذه الاضطرابات، إلا أنها لازالت باقية، مع تراجع الثقة بين الأطراف المعنية، بما فيها تلك التي تجمع الحلفاء التقليديين. فبدون التعاون الدولي لتعزيز بيئة تجارية أكثر استقراراً، سيظل المشهد العام مشوشا، وعدم اليقين مستمرا، وهشاشة الاقتصادات المحلية متواصلة، بما فيها مخاطرعودة التضخم إلى مستويات مقلقة. ناهيك عن الأثر السلبي الخطير التي تتركها الاضطرابات الجيوسياسية في الميدان. فرغم التحركات الأمريكية الحثيثة لتهدئتها، لا تزال تضيف مزيدا من القلق على الأداء الاقتصادي العالمي ككل.
وسط هذا المشهد، تشير التوقعات إلى أن النمو العالمي سيسجل 3.2% هذا العام، بتباطؤ طفيف عن العام 2024، ومن المحتمل أن يتم تعديل ذلك في الأسابيع المتبقية من العام الحالي، خصوصاً مع تصاعد بعض الأزمات المحلية هنا وهناك، وعدم وضوح الرؤية في الاقتصادات المتقدمة التي تواجه التزامات دولية متعددة، ومشاكل اجتماعية معيشية محلية، سواء عبر زيادة الضرائب، أو تراجع الإنفاق العام، بما في ذلك على قطاعات حيوية كالصحة وغيرها.
النقطة المشرقة هنا، هي أن التضخم يشهد بالفعل تراجعاً على الصعيد العالمي، بصرف النظر عن التفاوت بين بلد وآخر. وهذه نقطة محورية، بعد سنوات من سيطرة التضخم المرتفع على الساحات المحلية كلها.
وفي كل الأحوال، لا أحد يمكن أن يتوقع نموا عالميا كبيرا في السنوات القليلة المقبلة، إلا إذا حدثت تحولات حقيقية في الأداء الاقتصادي العام، إلى جانب ضرورة حدوث تفاهمات دولية تزيل التوترات الراهنة، لتعمل على امتصاص تأثيرها. فعلى كل الأطراف أن تتذكر أن العقد الحالي سجل في الواقع أبطأ نمو اقتصادي عالمي منذ عقد ستينيات القرن الماضي.
كاتب اقتصادي
