الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

النمو أولاً أم الربحية؟ أيهما يقود إلى النجاح

محمد الماضي
الجمعة 7 نوفمبر 2025 13:54 |2 دقائق قراءة

في المشهد الاقتصادي السعودي الذي يشهد تحولات متسارعة، يبرز تساؤل جوهري يتجاوز الأرقام والمؤشرات: هل ينبغي أن تتقدم الربحية على النمو، أم أن النمو هو الطريق الطبيعي إلى الربحية؟ هذا التساؤل برز بوضوح خلال مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار FII9 في الرياض، حيث أكد مياسر الرميان، محافظ صندوق الاستثمارات العامة، إلى جانب المستثمر ورائد الأعمال فيصل الخميسي، رئيس مجلس إدارة الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز، أن بناء اقتصاد معرفي يتطلب رأسمال جريئاً ومغامراً يمول التوسع والابتكار قبل البحث عن العائد القصير، لأن القيمة الحقيقية تبنى على المدى الطويل.

هذه الرؤية تجد تطبيقها العملي في تجربة شركة نون. فمنذ انطلاقتها 2016 بدعم شركاء إستراتيجيين، ركزت الشركة على بناء شبكة لوجستية قوية، وتوسيع قاعدة المستخدمين، وتعزيز حضورها الإقليمي في التجارة الإلكترونية، قبل مطاردة أرباح مبكرة. ارتفع تقييم الشركة إلى نحو 10 مليارات دولار، لتصبح نموذجاً لفكرة أن النمو أولاً هو الطريق إلى الربحية لاحقاً؛ إذ بنت شبكة لوجستية قوية واستثمرت في التقنية والمستخدمين لتأسيس قاعدة اقتصادية متينة. الرسالة واضحة: الحصة السوقية ليست رقماً، بل أصل إستراتيجي يحول النمو إلى الأرباح على المدى الطويل.

وتؤكد التجارب العالمية المنطق ذاته. شركة أمازون أمضت سنوات طويلة تبني كتلة حرجة من العملاء والبنية والخدمات، ثم حصدت مكاسب وفورات الحجم وتنوع الإيرادات لتحقق ربحية متزايدة. وبمنهج مشابه، استثمرت شركة تسلا بكثافة في التصنيع والبطاريات وسلاسل الإمداد حتى بلغت طاقة إنتاج تمنحها قوة تسعير وهوامش أفضل؛ فصار اتساع حصتها في سوق المركبات الكهربائية طريقاً إلى الربحية، لا عائقاً لها. وفي التقنية المالية، قدمت شركة Robinhood الأمريكية دليلاً على أن النمو يمهد الطريق للربحية، عبر نموذج تداول بلا عمولات قادها إلى تحقيق عائد مستقر بعد رحلة استمرت نحو 11 عاماً من التحديات والنمو المتواصل .

في المقابل، يركز النموذج المالي التقليدي على الربح والتدفقات النقدية الفصلية، وهو ما قد يحد من جرأة التوسع ويقلص فرص زيادة الحصة السوقية. أما المدرسة الاستثمارية التي تركز على النمو وبناء الحصة السوقية فتعكس معادلة مختلفة: اربح السوق أولاً لتربح المال لاحقاً. فكلما اتسعت الحصة السوقية واشتدت متانة البنية التشغيلية، انخفضت التكاليف الهامشية وارتفعت الإيرادات المتكررة، لتصبح الربحية ثمرة طبيعية للنمو لا حاجزاً أمامه.

وفي ضوء ما طرح في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار FII9، تتبلور معادلة مبتكرة في التفكير الاستثماري: النمو ليس نقيض الربحية، بل طريقها الطبيعي. فكلما تأسست الشركات على رؤية توسعية وقدرة حقيقية على إيجاد القيمة، جاءت أرباحها أعمق وأكثر استدامة. ومع تجارب مثل نون ونظيراتها من شركات التقنية الناشئة، يتأكد أن الرهان لا يقوم على الربح السريع، بل على بناء سياسة استثمارية مبتكرة ترسخ مفهوم بناء الحصة السوقية أولاً، ثم تجني ثمارها على المدى البعيد.

كاتب ومحلل في شؤون المال والأعمال

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية