قد يكون النفط متوافراً في حقول الإنتاج، لكن تعذر وصوله إلى الأسواق كفيل بإرباك الاقتصاد العالمي. هذه المفارقة البديهية كشفت عنها الحرب الأخيرة بوضوح، بعدما أشار رئيس أرامكو أمين الناصر إلى فقدان نحو 3 مليارات برميل من إجمالي الإمدادات النفطية المعتادة منذ بداية الأزمة. وهذا رقم تراكمي يتعلق بتعطل التدفقات المعتادة، لا بفقدان الإنتاج العالمي كله، لكنه يوضح أن أمن الطاقة لا يرتبط بقدرة الدول على استخراج النفط فقط، بل بقدرتها على إيصاله إلى المستهلك حين يحتاجه.
والمفارقة أن الاقتصاد العالمي أصبح أكثر كفاءة في استخدام النفط. فقد انخفضت كميته اللازمة لإنتاج ألف دولار من الناتج العالمي الحقيقي بنحو 56% بين 1973 و2019، وفق دراسة لجامعة كولومبيا. ويشير صندوق النقد إلى تراجع كثافة استخدام النفط بنحو 20% منذ منتصف العقد الماضي. لكن انخفاض الاستهلاك بالنسبة إلى حجم الاقتصاد لا يعني انخفاض الطلب المطلق؛ فالعالم ينتج ويتاجر أكثر، ولا تزال قطاعات النقل والصناعة والبتروكيماويات تعتمد على النفط.
هذه الكفاءة خففت بعض آثار الصدمات السعرية، لكنها لم تمنع اضطراب الإمدادات من الانتقال إلى الأسواق. فالبرميل الذي لا يعبر الممر البحري لا يصل إلى المصفاة في موعده، حتى لو كان متوافراً لدى المنتج. ومع تغيير مسارات الناقلات ترتفع تكاليف الشحن والتأمين، وتزداد الضغوط على سلاسل الإمداد والأسعار، بما يتجاوز سوق النفط إلى قطاعات اقتصادية أخرى.
ولذلك اكتسبت المخزونات أهمية خلال الأزمة. فبحسب رئيس أرامكو، عُوّض أكثر من مليار برميل بالسحب من المخزونات العالمية. وهنا يجب التفريق بين معالجة نقص الإمدادات مؤقتاً وحل أسبابه، فالمخزون ليس إنتاجاً جديداً! فما يُستهلك منه اليوم يحتاج إلى إعادة بناء غداً، وقد يستغرق ذلك عامين بعد عودة الإمدادات وفق تقديره. وهكذا قد تستمر آثار الأزمة حتى بعد تحسن حركة الملاحة، عندما يعود المشترون إلى السوق لتعويض احتياطاتهم المستنزفة.
وهنا يظهر دور السعودية في أمن الطاقة العالمي. فإلى جانب قدراتها الإنتاجية، استثمرت السعودية عبر عقود في مرونة التصدير، ومنها خط الشرق–الغرب الذي ينقل النفط إلى البحر الأحمر بعيداً عن مضيق هرمز، بطاقة تبلغ نحو 7 ملايين برميل يومياً. ولا تعني هذه القدرة أن جميع البراميل يمكن تصديرها فوراً دون قيود تشغيلية لكن أهميتها اتضحت وبعد نظر الحكومة السعودية منذ 40 عاما لمسه العالم، و هذه المرونة لا تلغي مخاطر الممرات الأخرى، لكنها تمنح خيارات تقلص أثر التعطل.
واللافت تصريح وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية بشأن التوجه لرفع قدرة النقل عبر شبكة الأنابيب والمسارات الإضافية إلى نحو 10 ملايين برميل يومياً خلال سنتين إلى 3 سنوات. وقد لخص الأمير عبدالعزيز الجدوى الاقتصادية لهذه الاستثمارات بشكل مباشر نحو الهدف بأن تكلفة توفير البدائل أقل من تكلفة غيابها. فالبنية الاحتياطية قد تبدو مكلفة حين تسير التجارة بصورة طبيعية، لكنها تصبح وقت الأزمات وسيلة لحماية الصادرات واستقرار الإمدادات.
وهنا نفهم لماذا يتجاوز الاهتمام العالمي باستقرار المنطقة حدود السياسة. فالخليج والبحر الأحمر ليسا مجرد مواقع لإنتاج النفط ونقله، بل حلقتان مؤثرتان في أمن الصناعة والتجارة لدى المستهلكين في آسيا وأوروبا. وأي اضطراب طويل فيهما سيظهر على تكاليف النقل والتضخم والنمو، حتى لدى اقتصادات نجحت في خفض اعتمادها النسبي على النفط.
لقد أصبح العالم أكثر كفاءة في استخدام النفط، لكنه لم يصبح مستقلاً عن انتظام وصوله. ولذلك لا تقاس قيمة أمن الطاقة بعدد البراميل المنتجة وحده، بل بالمسارات التي تضمن وصولها، وبالخسائر التي تمنعها عند الأزمات. فأمن الاقتصاد العالمي لا يقوم على وفرة الطاقة فقط، وإنما على استقرار المنطقة التي تسهم في إمداده بها.
الرئيس التنفيذي للاستثمار BLME
