د. مسفر الجار الله
لو تأملنا كلمة “Petroleum” في اللغة الإنجليزية لوجدنا أن أصلها لاتيني، وهي مكوّنة من جزأين: “Petra” وتعني الصخر، و“Oleum” وتعني الزيت، ليصبح معناها الحرفي “زيت الصخر”. لكن هذا الوصف — رغم شيوعه — ليس دقيقًا لا لغويًا ولا علميًا، فالصخر لا يُعصر منه النفط كما يُعصر الزيت من الزيتون، والنفط لا يوجد كبحيرات ضخمة في باطن الأرض كما يتخيل بعضهم، بل يوجد داخل المسامات الدقيقة في الصخور الرسوبية، وأقرب تشبيه له هو الماء داخل الإسفنج، مع فارق أن النفط يكون تحت ضغط هائل يدفعه للتدفق عند حفر الآبار. ولذلك يبدو المصطلح اللاتيني وصفًا مبسطًا أكثر من كونه توصيفًا دقيقًا لطبيعة النفط.
في المقابل تكشف اللغة العربية عن ثراء لافت في توصيف النفط ومشتقاته، وهو ما يظهر معرفة العرب المبكرة بهذه المادة واستخداماتها قبل قرون طويلة من العصر الحديث. فقد امتلك العرب عددًا كبيرًا من المفردات التي تصف النفط بحسب حالته الفيزيائية أو طريقة استخدامه، مثل النفط والقار والقطران والزفت والكُحيل. فالنفط عند العرب كان يُعرف كسائل أسود قابل للاشتعال استُخدم في الحروب والإضاءة، أما القطران فكان مادة معالجة تُستخدم في الطب الشعبي وعلاج الدواب من الجرب، بينما كان القار يُستخدم في طلاء السفن ورصف الطرق وعزل المياه. وهذا التنوع في الأسماء يبرز إحدى خصائص العربية الفريدة؛ إذ تمنح الشيء الواحد مفردات متعددة تصف تحولاته وخصائصه الدقيقة.
ولم يكن النفط ومشتقاته حاضرًا في الاستخدامات اليومية فقط، بل حضر أيضًا في الشعر العربي الذي يُعد ديوان العرب ومرآة ثقافتهم وتاريخهم. فقد قال النابغة الذبياني:
فَلا تَتْرُكْنِي بِالْوَعِيدِ كَأَنَّنِي ** إِلَى النَّاسِ مَطْلِيٌّ بِهِ الْقَارُ أَجْرَبُ
ويصف الشاعر هنا حاله بعد تهديد الملك وكأنه دابة جرباء مطلية بالقار ينفر الناس منها. كما ورد ذكر النفط ومشتقاته في الشعر الأموي والعباسي بكثرة، ومن أشهر ذلك قول الفرزدق:
أَنَا القَطِرَانُ وَالشُّعَرَاءُ جَرْبَى ** وَفِي القَطِرَانِ لِلْجَرْبَى شِفَاءُ
وفي هجائه للفرزدق يقول جرير:
وَدَاوَيْتُ مِنْ عُرِّ الْفَرَزْدَقِ نُقْبَةً ** بِنِفْطٍ فَأَمْسَتْ لَا يُخَافُ نُشُورُهَا
أما في العصر العباسي فقد ارتبط النفط بالحروب والأسلحة الحارقة، كما في وصف أحد الشعراء لفتح هرقلة في عهد هارون الرشيد:
هَوَتْ هِرَقْلَةُ لَمَّا أَنْ رَأَتْ عَجَبًا ** جَوُّ السَّمَا تَرْتَمِي بِالنِّفْطِ وَالنَّارِ
وهنا تظهر بوضوح دلالة استخدام النفط في الحروب والقذائف الحارقة التي عرفها المسلمون مبكرًا. ومن الطريف أيضًا أن أحد أشهر علماء اللغة والأدب في التراث الإسلامي كان لقبه مشتقًا من النفط، وهو نفطويه الذي عاش في القرن الثالث الهجري.
كل ذلك يكشف حقيقة مهمة، وهي أن العرب لم يكونوا غرباء عن النفط ومشتقاته، بل عرفوه واستخدموه ووصفوه لغويًا بدقة قبل كثير من الأمم الأخرى. حتى إن الدولة العباسية، وفي عهد المعتصم بالله تحديدًا، عندما كانت بغداد تعيش أوج ازدهارها الحضاري والعلمي وتُعد من أعظم مدن العالم وأكثرها تقدمًا، عيّنت واليًا يُشرف على “النفّاطات”، وهي المواقع والعيون التي كان النفط يتسرب منها طبيعيًا من باطن الأرض. وربما تكشف اللغة هنا جانبًا مهمًا من التاريخ؛ فالأمم لا تبتكر هذا الكم من المفردات الدقيقة لشيءٍ لا تعرفه، ولا يحضر النفط بهذا العمق في الشعر والأدب والإدارة إلا لأنه كان جزءًا أصيلًا من الحياة العربية منذ قرون طويلة.
أكاديمي وباحث في شؤون الطاقة
