السبت, 31 أكتوبر 2026|19 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

شهدت أسواق النفط العالمية في الأسابيع الأخيرة من أكتوبر 2026 تصاعداً متزامناً في الضغوط الجيوسياسية من جبهتين رئيسيتين، ما أعاد إحياء مخاوف الإمدادات ودفع الأسعار إلى أعلى مستوياتها في نحو ستة أشهر. ففي الوقت الذي تتعرض فيه حركة الملاحة في مضيق هرمز لهجمات متكررة ضمن سياق الحرب الأمريكية المستمرة مع إيران منذ فبراير الماضي، تتجدد الضربات الأوكرانية على مصافي التكرير الروسية، ما يخلق حالة من التوازي الزمني الذي يعمق حالة عدم اليقين في الأسواق.

يُعد مضيق هرمز شرياناً حيوياً يمر عبره خُمس إمدادات النفط العالمية والغاز الطبيعي المسال. ومع استمرار التوترات، سجل أكتوبر أعلى عدد من الحوادث الأمنية على السفن التجارية منذ بداية الصراع، حيث رصدت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية عشرات الحوادث، من بينها هجوم ناجح في 30 أكتوبر على ناقلة باستخدام عبوات ناسفة لاصقة ثبتت بواسطة قارب صغير. ويُعتبر هذا الحادث أول استخدام ناجح معروف لهذا النوع من الألغام في المضيق منذ اندلاع الحرب.

ورغم تحسن التدفقات نسبياً في بعض الأسابيع السابقة، حيث تجاوزت صادرات الخليج في أوقات معينة مستويات ما قبل الحرب بفضل أنظمة النقل البديلة وتحويل الشحنات، إلا أن المخاطر اللوجستية وارتفاع تكاليف التأمين والشحن تبقى مرتفعة، ما يضيف علاوة مخاطر واضحة إلى الأسعار. تزامن هذا التصعيد في الخليج مع استئناف أوكرانيا هجماتها على البنية التحتية النفطية الروسية بعد فترة هدوء نسبية.

ففي 30 أكتوبر نفسه، استهدفت طائرات مسيرة أوكرانية ثلاث مصافٍ روسية ومجمعاً كيميائياً غازياً، من بينها مصفاة نوفوكويبيشيفسك في منطقة سامارا التابعة لشركة روسنفت، التي تبلغ طاقتها نحو 175 ألف برميل يومياً وتنتج وقوداً للطائرات. وقد سبق ذلك هجمات في منتصف الشهر على مصفاة ريازان ومحطات نفطية في سانت بطرسبرغ، ما أدى إلى حرائق وأضرار متفاوتة. هذه الضربات تأتي ضمن حملة مستمرة أثرت في قدرات التكرير الروسية، وساهمت في السابق في تحويل روسيا إلى مستورد صافٍ لبعض المنتجات في فترات معينة، رغم محاولات التعويض وزيادة التشغيل في فترات الهدوء.

‎انعكس هذا التزامن مباشرة على الأسعار. ففي 30 أكتوبر، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت تسليم ديسمبر بنسبة 2.4% لتستقر عند 117.64 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى عند التسوية منذ نهاية أبريل، بعد أن لامست 118 دولاراً خلال الجلسة. أما خام غرب تكساس الوسيط فأغلق مرتفعاً بنسبة تزيد على 2% عند 104.12 دولار. وعلى مدار الشهر، سجل برنت مكاسب تقارب 13.6%، بينما تجاوزت مكاسب الخام الأمريكي 15%، في رابع شهر متتالٍ من الارتفاع. ويعكس هذا الصعود ليس فقط المخاوف المباشرة من انقطاع الإمدادات، بل أيضاً توقعات الأسواق باستمرار التوترات بعد الانتخابات النصفية الأمريكية في أوائل نوفمبر، حيث يترقب المتعاملون احتمالات تصعيد أو تهدئة في الصراع مع إيران.

‎يكمن الترابط بين الجبهتين في أن كلتيهما تضرب مصادر إمداد مختلفة لكنها مكملة: الخليج يوفر الخام الخفيف والمتوسط بكميات كبيرة، بينما تؤثر الهجمات الروسية في قدرات التكرير وتوافر المنتجات المكررة مثل الديزل ووقود الطائرات، التي شهدت بالفعل ارتفاعات حادة في الأسعار خلال العام.

وقد أدى ذلك إلى اتساع فروق الأسعار بين الخامات والمنتجات، وارتفاع تكاليف الشحن إلى مستويات قياسية في بعض المسارات. ورغم جهود التحويل عبر الأنابيب البديلة والإفراج السابق عن مخزونات استراتيجية من قبل وكالة الطاقة الدولية، فإن المخزونات التجارية تآكلت، والطلب على الحماية الأمنية يزيد من التكاليف الهيكلية.

التوازي الزمني بين هجمات مضيق هرمز وتصاعد الضربات على المنشآت الروسية يعد تذكيراً بأن أسواق النفط لم تعد تتأثر بعامل واحد فقط، بل بشبكة من المخاطر المترابطة. ومع بقاء المسارات الدبلوماسية غير محسومة، واستمرار التقلبات الأمنية، يبدو أن علاوة المخاطر الجيوسياسية ستظل حاضرة في الأسعار خلال الفترة المقبلة، ما يبقي الأسواق في حالة تأهب لأي تطور جديد قد يعيد تشكيل توازن العرض والطلب العالمي.

خبير استراتيجي في شؤون الطاقة

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية