في الماضي غير البعيد كان المزارع يعد من الأثرياء حيث لديه التمر والقمح والمحاصيل الأخرى فيبيع منه ويهدي للأقارب والأصدقاء... وتغيرت الأحوال وترك أبناء المزارعين القدامى الزراعة واتجهوا الى الأعمال الأخرى بعد توفر الوظائف وأصبح الاستيراد أسهل من الزراعة ربما لنقص المياه كأحد الأسباب.
ودخل الكثير من التجار غير المتخصصين في مرحلة مرت بمجال الزراعة إلا أن تركيزهم انصب على زراعة القمح بكميات كبيرة لا يشتريها إلا الدولة، في حين ظل الاعتماد على الاستيراد في المنتجات الأخرى، لا سيما الخضروات والفواكه وفي ذلك خلل اقتصادي واضح لكن رؤية 2030 جاءت للعودة إلى المسار الزراعي الصحيح الذي يقوم على الاهتمام أولاً بسد جزء من الأمن الغذائي الاساسي لبلادنا ثم الاستفادة من مقدراتها الزراعية النوعية لخلق قيمة اقتصادية مضافة.
وفعلاً لاقى هذا الهدف اهتماماً من الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء وأوكل المهمة إلى وزارة البيئة والمياه والزراعة بقيادة وزيرها المهندس عبدالرحمن الفضلي فعمل الوزير وطاقم الوزارة بصمت ودون ضجيج إعلامي حتى تحققت النتائج ثم قبل بعض دعوات الحديث للإعلام التي كان يعتذر عنها، وأذكر عندما دعته الجمعية السعودية لكتاب الرأي للقاء الكتاب أنه اعتذر كثيراً ثم استجاب وقال لي "الآن أستطيع أن أتحدث" أي أن لديه مبادرات تستحق الحديث.
ونتيجة لجهود الوزارة تنوعت المنتجات الزراعية في جميع مناطق بلادنا وقدمت تلك المنتجات بشكل جذاب عبر منافذ تسويق مختلفة، وهي الحلقة التي كانت الأضعف في سلسلة الإنتاج الزراعي (إذا اكتفينا بالحديث عن الإنتاج الزراعي ولم نمتد إلى التصنيع الغذائي)، فتنوعت البرامج التسويقية حسب السلع أو الأسواق المستهدفة، وتكاثرت المهرجانات الزراعية التي باتت منفذاً تسويقياً مفضلاً تحظى بالإقبال الكبير وتتخطى فائدتها تسويق المنتجات الزراعية إلى إحداث تنمية في مناطق مختلفة من السعودية كانت تعتمد على الزراعة في اقتصاداتها.
ولازالت تحتاج الى العودة الى الاستفادة من القطاع الزراعي لتحريك الاقتصاد المحلي فيها، وهو ما فطنت له الرؤية وتأسس لأجله برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة "ريف السعودية" الذي وصلت القيمة السوقية الإجمالية لقطاعاته إلى نحو 6 مليارات ريال حتى 2025 وهو ما يبرز أهمية البرنامج في دعم الاقتصاد الوطني من خلال إسهامه في رفع كفاءة القطاع الزراعي وتنويع إنتاجيته إضافة إلى حفظ التوازن البيئي وتحسين دخل صغار المزارعين وتوفير فرص لهم.
وعودة إلى المهرجانات الزراعية التي تعتبر سلة غذائية متكاملة، وليست فقط غذائية وانما اقتصادية عبر إنعاش حركة السياحة والخدمات اللوجستية وتوفير الفرص للعمل ولصغار المزارعين والتجار، ولعل من أبرز المهرجانات على سبيل المثال تلك الخاصة بالتمور في الأحساء والقصيم والحمضيات في محافظة الحريق والزيتون في الجوف والرمان في الباحة والبن والمانجو في جازان ومهرجان عسل حريملاء.
وأخيراً: وبحكم معايشتي وقربي من مهرجان العسل في حريملاء فإنني أستطيع التأكيد على حجم الأثر الذي تتركه مثل هذه الفعاليات في المجتمعات المحلية و المزارعين والسكان، اذ تعد هذه المناسبات وإن كانت موسمية ومحدودة الوقت محطة تعريف وتعاونات تجارية وتطويرية عند المنتجين، وفرصة تثقيف وتعلم عند الزوار اضافة لكونها محطة شراء لأفضل المعروض فيما يختص به المهرجان، ووجدت في مهرجان العسل فرصة لدعم سلسلة امداد منتجات العسل في محافظة حريملاء التي تعتبر من أبرز مواقع انتاج العسل في المملكة لتوفر المرعى للنحل في أشجار الطلح التي تتكاثر في حريملاء بما يمنح المنتج جودة عالية ونكهة مميزة جعلته يحصل على جوائز عالمية خلال الأعوام الماضية.
ومن خلال استعراض المهرجانات الزراعية يظهر التنوع المطلوب الذي يحتاج لرسم خارطة إنتاج تكاملية وتنافسية كما يؤمل أن تستمر الأبحاث الزراعية لتحسين تكيف المحصولات الزراعية مع بيئاتنا المختلفة، ويبقى اقتراح تمديد مدة المهرجانات حلاً سريعاً لتعظيم فوائدها، و لكي يستطيع أكبر عدد من المهتمين زيارتها خاصة وأن الأمر قد يتطلب انتقالاً بين المناطق.
كاتب اقتصادي
