في غرف الدراسة عبر العالم العربي، يجري اليوم تحول صامت لم تُقرّه وزارة ولم تُخطط له مناهج. الطالب الذي كان يفتح كتابه أو يسأل معلمه، بات يفتح هاتفه ويسأل الآلة. أسئلة الواجبات، وتلخيص الدروس، وحل المسائل، وكتابة المقالات، كلها باتت في متناول أداة لا تتعب ولا تمل ولا ترفض الإجابة. والسؤال الذي يجب أن يشغل كل أسرة عربية وكل صانع قرار في التعليم هو: هل نحن أمام ثورة تعليمية نُحسن استثمارها، أم أمام استسلام هادئ ندفع ثمنه لاحقاً؟
الأرقام لا تحتمل التأويل. تشير الدراسات إلى أن أكثر من مئة مليون طالب في العالم يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي في دراستهم اليومية، وأن هذا الرقم يتضاعف بسرعة لم تشهدها أي تقنية تعليمية من قبل.
وفي العالم العربي، حيث ينمو عدد الشباب بوتيرة متسارعة وتتصاعد الضغوط الأكاديمية، يجد الطالب في هذه الأدوات ملاذاً سهلاً ومريحاً. لكن المشكلة ليست في استخدام الأداة، فالإنسان دائماً استعان بما اخترع. المشكلة في أن منظومتنا التعليمية لم تستوعب بعد أن العالم تغير، وأنها لا تزال تقيس النجاح بمعايير صُمِّمت لعصر مختلف تماماً.
الخطر الحقيقي ليس أن الطالب يستعين بالذكاء الاصطناعي، بل أن يفقد في الطريق شيئاً لا تستطيع أي خوارزمية أن تمنحه إياه: القدرة على التفكير النقدي، وبناء الحجة، والتساؤل، والخطأ والتعلم منه. حين يحصل الطالب على إجابة جاهزة في ثوانٍ، يتجاوز الجهد الذي كان في السابق هو صلب التعلم ذاته. العقل يشتغل بالمقاومة، ويتطور بالصعوبة، وينضج بالبحث. وإذا سقطت هذه المراحل، لم نُنتج طلابا متعلمين، بل أنتجنا مستهلكين ماهرين لإجابات الآخرين.
والمناهج العربية اليوم في معظمها لم تواجه هذا التحدي بعد. لا تزال تعتمد الحفظ معياراً للنجاح، والامتحان التقليدي مقياساً للكفاءة، والإجابة النموذجية مرجعاً للصواب. وهي بذلك تبني جداراً وهمياً مع الواقع. الطالب يعيش في عالم الذكاء الاصطناعي خارج الفصل، ويعود داخله إلى عالم آخر. هذه الفجوة لا تُنتج إنساناً مزدوجاً فحسب، بل تُنتج مدرسةً فقدت مصداقيتها في عيون من تحاول تعليمهم. والمصداقية في التعليم ليست رفاهية، إنها الشرط الأول لأي تأثير حقيقي.
غير أن المشهد ليس قاتماً بالكامل. ثمة تجارب رائدة في المنطقة تُظهر أن دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم بصورة واعية يمكن أن يُحدث نقلة نوعية حقيقية. حين يُستخدم الذكاء الاصطناعي لا كبديل عن التفكير بل كمحفّز له، حين يُوظَّف لتشخيص نقاط ضعف الطالب وتصميم مسار تعلم شخصي له، حين يُتاح للمعلم الذي كان يستنزف وقته في التصحيح أن يصرف طاقته في الإلهام والتوجيه، عندها يصبح الذكاء الاصطناعي حليفاً للتعليم لا خصماً له. والمملكة العربية السعودية باستثماراتها الضخمة في قطاع التعليم ورؤيتها الطموحة تمتلك كل ما تحتاجه لقيادة هذا التحول على مستوى المنطقة.
في نهاية المطاف، السؤال ليس هل سيستخدم أبناؤنا الذكاء الاصطناعي؟ فهذا أمر محسوم. السؤال هو من سيُعلّمهم كيف يستخدمونه؟ إذا تركنا هذه المهمة للصدفة، تركنا أجيالنا في مهب ريح لا نتحكم في اتجاهها. وإذا أحسنّا تصميم منظومة تعليمية تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوعي ونقد وإبداع، أنتجنا جيلاً لا يستهلك التقنية فحسب بل يصنعها ويوجّهها. الفارق بين الخيارين ليس تقنياً ولا مالياً. إنه فارق في الإرادة السياسية والجرأة على مواجهة الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.
خبير في مجال الذكاء الاصطناعي واللوجستيك
