الجمعة, 25 سبتمبر 2026|12 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

يمثّل اليوم الوطني السعودي مناسبة نستحضر فيها بكل فخر واعتزاز مسيرة وطن استطاع، بفضل توجيهات قيادتنا الرشيدة، أن يحوّل الطموحات إلى إنجازات والرؤى إلى واقع ملموس. ونعتز بما حققته السعودية من تقدم في مختلف المجالات، وبأبناء وبنات الوطن الذين كانت عزيمتهم وإرادتهم جزءاً من كل خطوة في هذه المسيرة. وما تحقق حتى اليوم لا يدعونا إلى الفخر فحسب، بل يمنحنا الثقة والطموح لما يمكن أن نحققه في المستقبل.

وبالنسبة إلى أبناء وبنات السعودية ممن يخطون أولى خطواتهم المهنية، فإن المستقبل يتشكّل أمام أعينهم. قطاعات جديدة ترى النور، وتقنيات تغيّر أسلوب حياتنا وعملنا، وشركات سعودية تنافس بثقة على الساحة العالمية، فيما تُفتح أمامهم فرص لم تكن متاحة للأجيال السابقة.

لذلك، لم يعد السؤال: أين سيكون مكاني في هذا المستقبل؟ بل: كيف أشارك في صناعته؟

قد لا يكون التعدين أول قطاع يخطر في البال عند التخطيط للمستقبل المهني، لكن ربما آن الأوان لإعادة النظر.

تزخر السعودية بثروات طبيعية وفيرة. وعلى الرغم من ارتباط اسمها عالمياً، ولعقود طويلة، بثرواتها النفطية، فإن باطن أرضها يختزن موارد معدنية متنوعة وواعدة، من الفوسفات والذهب والنحاس والبوكسايت إلى المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة. وما تختزنه أرض المملكة من ثروات ليس سوى البداية.

ومع أكثر من 8,000 موظف وموظفة، وعمليات في أنحاء السعودية، وأحد أكبر برامج الاستكشاف التعديني في العالم ضمن دولة واحدة، إلى جانب سلسلة من مشاريع النمو الكبرى قيد التنفيذ، تجسّد معادن حجم طموح المملكة في قطاع التعدين.

وقطاع التعدين اليوم أوسع بكثير من الصورة النمطية التي قد تتبادر إلى الأذهان. فهو يجمع كفاءات وخبرات من مجالات متعددة. يستكشف الجيولوجيون موارد لم تُكتشف بعد، ويصمم المهندسون عمليات أكثر تطوراً، ويبتكر علماء البيانات طرقاً جديدة للارتقاء بالأداء، ويوظف المتخصصون في التقنية الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة لتعزيز كفاءة الحفر والاستكشاف والاستخراج، فيما تصل فرق التسويق والمبيعات بالمنتجات السعودية إلى العملاء حول العالم.

وفي قطاع بهذه الأهمية الإستراتيجية، تتسع الفرص بتنوع الطموحات. فالثروات المعدنية ليست مجرد موارد في باطن الأرض، بل فرص لأبناء المملكة وبناتها ليكون لهم دور في قطاع يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمستقبل وطنهم. وفي معادن، ندرك أن طموحنا يبدأ بالإنسان، وأن تحقيقه يعتمد على كفاءات استثنائية.

ومن هذا المنطلق، لا تبدأ مسيرتنا لبناء كفاءات المستقبل في أول يوم من العمل، بل قبل ذلك بكثير، حين نتيح لأبناء وبنات المملكة اكتشاف قدراتهم والمسارات التي يمكن أن تقودهم إليها مهاراتهم وطموحاتهم.

ونفتح أمام شباب السعودية مسارات تمتد من التعليم والتعرّف المبكر على القطاع إلى التدريب والعمل والتخصص والقيادة، عبر المنح الدراسية وبرامج تطوير الخريجين وفرص التدريب والمسارات المهنية المبكرة. فنحن نستثمر في بناء قدرات وطنية، وننمّي الخبرات المتخصصة، ونعدّ جيلاً جديداً من القيادات ليؤدي دوراً فاعلاً في قيادة مستقبل القطاع.

فالتحول الذي تشهده السعودية اليوم لا يصنع الفرص لأبنائها وبناتها فحسب، بل يتيح لهم أن يصنعوه ويقودوه، سواء كانوا مهندسين أو علماء أو رواد أعمال أو مبتكرين، وأن يضعوا قدراتهم وطموحاتهم في خدمة مستقبل السعودية.

ولا يتوقف أثر ما يصنعونه عند حدود السعودية، بل يصل إلى حياة الناس والمجتمعات والاقتصادات حول العالم. فالفوسفات الذي ننتجه يسهم في دعم منظومة الغذاء العالمية، والألمنيوم السعودي يدخل في العديد من الصناعات، فيما تربط محفظتنا المتنامية من المعادن المملكة بصورة أوثق بالصناعات وسلاسل الإمداد التي يعتمد عليها العالم.

وفي خضم هذا التحول، تفتح التقنية أمام الجيل الجديد آفاقاً أوسع للإسهام في مستقبل القطاع. فالذكاء الاصطناعي والبيانات والتقنيات المتقدمة تعيد تشكيل أساليب الاستكشاف والتشغيل، لكن قيمتها الحقيقية لا تكمن في التقنية نفسها، بل فيما تمكّن الإنسان من تحقيقه، من استكشاف الموارد بكفاءة أكبر وتطوير عمليات أكثر ذكاءً، إلى تعزيز مستويات السلامة والكفاءة والأداء.

وتتيح هذه التحولات للكفاءات والمواهب السعودية فرصاً لم تكن ممكنة من قبل. ففي معادن، يعمل أبناء وبنات المملكة على مشاريع عالمية النطاق والطموح، ويسهمون في بناء صناعة وطنية يمتد أثرها إلى العالم.

ولا تقف ثمار هذا النمو عند معادن وحدها. فازدهار قطاع التعدين يفتح أبواباً جديدة للموردين والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، ويوفر فرص العمل، ويدعم المجتمعات، ويمنح رواد الأعمال مجالات جديدة للابتكار وإيجاد الحلول. وبذلك تتحول الثروات المعدنية إلى قيمة مستدامة تعود بالنفع على المملكة وشعبها.

فالتحولات الوطنية تبدأ بقرارات وخطوات فردية، وبرغبة في التعلّم، واستعداد للإسهام في مسيرة النمو، وطموح للابتكار والقيادة. ويذكّرنا اليوم الوطني بأن مسيرة الوطن تمتد من جيل إلى آخر. فكل جيل يبني على ما أنجزه من سبقه، ويملك فرصة أن يضيف إلى هذه المسيرة قيمة تبقى لمن يأتي بعده.

كوادرنا ليست مجرد جزء من قصة معادن، بل هي من تكتب فصولها المقبلة.

وفي اليوم الوطني للسعودية، آمل أن يؤمن مزيد من أبنائها وبناتها بأن لهم مكاناً في هذه المسيرة، ودوراً في صناعة أثر مستدام. فمستقبل  السعودية لن يكون إرثاً يتلقاه جيل اليوم، بل طموحاً نشارك جميعاً في تحقيقه وتحويله إلى واقع ملموس.

الرئيس التنفيذي للموارد البشرية في معادن

منتدى الاقتصادية 2026