ثامر بن فهد السعيد
منذ بدأت الثورة الصناعية، كان الهدف واضحاً: أن ننتج أكثر بجهد وتكلفة أقل. جاءت الآلة، ثم الكهرباء، ثم الحاسب والأتمتة، وكلها سعت إلى رفع إنتاجية الإنسان، لا إلى زيادة عدد الساعات التي يعملها. لذلك تبدو الصورة اليوم لافتة بمفارقتها فعندما ينجح الاقتصاد في إنتاج مزيد دون الحاجة إلى إضافة أعداد كبيرة من العاملين، نبدأ أحياناً في النظر إلى ذلك باعتباره مشكلة، وتحديداً في التوظيف!
الاقتصاد الأمريكي يقدم اليوم نموذجاً واضحاً لهذه المفارقة. فمنذ 2000 ارتفعت إنتاجية العامل بنحو 50%، بينما لم يرتفع تعويضه الحقيقي عن ساعة العمل إلا بنحو 13%. واستمرت المسافة في الاتساع حتى اليوم! ففي الربع الثاني من 2026 ارتفعت الإنتاجية 2.2% مقارنة بالعام السابق، بينما انخفض التعويض الحقيقي للساعة 0.1%. وفي الفترة نفسها هبطت حصة العمل من الناتج في قطاع الأعمال غير الزراعي إلى 52.8%، وهي الأدنى منذ بدء سلسلة البيانات 1947.
هذه الأرقام لا تعني أن الشركات تربح على حساب العامل، لكنها تثير سؤالاً وتصوراً: إذا أصبح العامل أكثر إنتاجية، بينما لا ينمو تعويضه بالوتيرة نفسها، فأين تذهب القيمة الإضافية التي صنعها؟
حصة العمل تعني ببساطة الجزء من القيمة الاقتصادية المنتجة الذي يعود إلى العاملين في صورة أجور ورواتب ومزايا. وانخفاض هذه الحصة لا يعني بالضرورة أن دخل العامل انخفض! فقد يرتفع راتبه، لكن الإنتاجية والأرباح ترتفع بوتيرة أسرع. وفي المقابل، ليس ارتفاع عائد رأس المال أمراً سلبياً، فمن دون عائد مجز لن يستثمر أحد في الآلات والتقنية والمصانع التي رفعت إنتاجية العامل أصلا. القصة إذن ليست الاختيار بين العامل ورأس المال، بل كيف تتوزع مكاسب الإنتاجية بينهما.
والحالة الأمريكية ليست استثناء. تشير تقديرات صندوق النقد إلى أن حصة العمل في الاقتصادات المتقدمة أصبحت أقل بنحو أربع نقاط مئوية مقارنة بعام 1970، وأن التقنية تفسر نحو نصف هذا الانخفاض، إلى جانب العولمة وتغير سلاسل الإنتاج. ما نراه إذن ليس حركة مرتبطة بعام أو دورة اقتصادية، بل تحول يمتد لعقود.
وقد يبدو للوهلة الأولى أن الاقتصادات الأقل تقدماً أفضل في توفير الوظائف، لكنها في كثير من الأحيان تحتاج إلى عدد أكبر من العمال لإنتاج القيمة نفسها. اقتصاد يحتاج إلى 100 عامل لإنتاج ما يستطيع اقتصاد آخر إنتاجه بـ20 عاملاً قد يوفر وظائف أكثر، لكنه ليس بالضرورة أكثر نجاحاً. فالهدف ليس توفير أكبر عدد ممكن من الوظائف، بل رفع القيمة التي ينتجها العامل، وأن يظهر جزء من هذه الزيادة على دخله.
وتوزيع هذه المكاسب لا يؤثر في الأجور فقط، بل في الاقتصاد نفسه. فالعامل يميل إلى إنفاق جزء أكبر من دخله الإضافي، بينما يميل أصحاب الدخول والثروات الأعلى إلى ادخار نسبة أكبر. وقد يبدو ذلك استنتاجاً بديهياً، لكنه يعكس اختلاف حجم الدخل والاحتياج وأنماط الإنفاق. لذلك فإن انتقال حصة أكبر من الدخل إلى رأس المال قد يخفف مساهمة الاستهلاك في الطلب، لكنه في المقابل قد يزيد الادخار والاستثمار الذي يصنع إنتاجية المستقبل. وهنا يصبح التوازن أكثر أهمية من مجرد تحديد من حصل على الحصة الكبرى.
ربما نحتاج في ذلك إلى إعادة النظر في الطريقة التي نقيس بها نجاح سوق العمل. عدد الوظائف الجديدة مهم، لكنه لا يسرد القصة كاملة. هناك زاويتان إضافيتان: كم ارتفعت إنتاجية العامل؟ وكم حصل العامل من هذه الزيادة؟
لقد أمضينا قرنين من الزمن نحاول أن نجعل الإنسان ينتج أكثر بجهد أقل، وسيكون من الغريب أن نعتبر نجاح ذلك مشكلة. التحدي الحقيقي يبدأ عندما ترتفع الإنتاجية دون أن يشارك العامل بصورة معقولة في عائدها. ففي اقتصاد المستقبل، قد لا يكون السؤال الأهم كم وظيفة أوجدنا، بل كم قيمة أصبح العامل قادراً على إنتاجها، وكيف توزعت مكاسب تلك القيمة، وكم كانت حصة العامل منها؟
الرئيس التنفيذي للاستثمار BLME CAPITAL

