الجمعة, 6 نوفمبر 2026|25 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

في أوقات المخاطر والأزمات، لا تُقاس المسؤولية الاجتماعية بمدى قدرة الأفراد على إبداء آرائهم أو تقديم اجتهاداتهم الشخصية، وإنما بمدى وعيهم بمسؤولية الكلمة، والقدرة على التمييز بين المعلومة الموثوقة والانطباع الشخصي، وبين التحليل المستند إلى الحقائق والتكهنات التي قد تزيد المشهد تعقيداً.

ففي الظروف الاستثنائية، تصبح المسؤولية الفردية والجماعية جزءاً لا يتجزأ من منظومة حماية المجتمع واستقراره، ويغدو الالتزام بالتوجيهات الصادرة عن الجهات المختصة واجباً وطنياً وأخلاقياً.

إن إدارة المخاطر ليست عملاً ارتجالياً، ولا تعتمد على ما يتناقله الناس أو ما يستنتجونه من مشاهدات جزئية أو معلومات متفرقة. فخلف القرارات والتوجيهات الرسمية منظومة متكاملة من مراكز جمع المعلومات وتحليلها والتحقق من صحتها ومصادقتها، تعمل على مدار الساعة، وتستفيد من مصادر متعددة، وتربط بين الوقائع الميدانية والبيانات الفنية والتقارير الاستخباراتية والأمنية والتجارب السابقة، فضلاً عن متابعة المواقف والتطورات ذات الصلة على المستويين الإقليمي والدولي.

وهذه المنظومة لا تنظر إلى الحدث بمعزل عن سياقه، بل تدرس أسبابه واحتمالات تطوره وانعكاساته المباشرة وغير المباشرة، وتقيّم السيناريوهات المحتملة ومآلات كل منها. ولذلك فإن التوجيه الذي يصدر عن جهة مختصة لا ينبغي أن يُقارن باجتهاد فردي مبني على معلومة محدودة أو مشهد لم تكتمل أبعاده؛ فالفارق كبير بين من يطّلع على جزء من الصورة ومن يمتلك منظومة متكاملة لرؤية الصورة وتحليلها.

فحرية التعبير قيمة مهمة، وتبادل الآراء وسيلة من وسائل تطوير الوعي المجتمعي، لكن هذه الحرية لا تعني أن يتحول كل فرد إلى مصدر للتوجيه أو التحذير أو التقييم في وقت تتطلب فيه الظروف وحدة الرسالة ودقة المعلومة. وقد يؤدي تداول معلومة غير مؤكدة، أو نشر مقطع خارج سياقه، أو تقديم قراءة شخصية على أنها حقيقة، إلى إثارة القلق، وإرباك المجتمع، والتأثير في سلوك الأفراد، وربما الإضرار بالجهود التي تبذلها الجهات المعنية لاحتواء المخاطر.

وتزداد خطورة الأمر عندما تُبنى المواقف على معلومات غير مكتملة، أو تُنشر تحليلات تتجاوز اختصاص أصحابها، أو تُفسر الإجراءات الاحترازية بوصفها مؤشرات على وقائع لم تعلنها الجهات المختصة. فليس كل ما يُشاهد يمثل حقيقة الحدث كاملة، وليس كل ما يُتداول يعكس واقع الموقف، وليس كل ما يمكن استنتاجه صحيحاً بالضرورة.

ومن هنا تبرز أهمية إدراك أن الجهات المختصة لا تتخذ قراراتها بناءً على معلومة منفردة، بل وفق عمليات مؤسسية تشمل جمع البيانات من مصادرها، والتحقق منها، ومقارنتها، وتقييم موثوقيتها، ثم تحليلها في ضوء المعطيات المتاحة والتجارب السابقة والاحتمالات المستقبلية. وقد تكون هناك اعتبارات لا يمكن الإفصاح عنها لأسباب تتعلق بالأمن أو سلامة الإجراءات أو حماية المصالح العامة، وهو ما يستدعي احترام ما يصدر من توجيهات حتى وإن لم تكن جميع تفاصيل الحالة معلومة لدى الجميع.

المواطن المسؤول هو الذي يرجع إلى المصادر الرسمية، ويتجنب إعادة تداول المعلومات مجهولة المصدر، ولا يسهم في تضخيم الأحداث أو نشر المخاوف والتوقعات غير المستندة إلى أدلة. وهو أيضاً الذي يلتزم بالإرشادات والتعليمات، ويتعاون مع الجهات المعنية، وينبه الآخرين إلى ضرورة استقاء المعلومات من مصادرها الموثوقة، دون الدخول في سجالات أو اجتهادات قد تضعف الثقة أو تربك الاستجابة.

كما أن المسؤولية تقع على المؤسسات الإعلامية ومستخدمي منصات التواصل الاجتماعي والمؤثرين وأصحاب الحسابات ذات المتابعة الواسعة، بصورة مضاعفة؛ لأن تأثير الكلمة لا يتوقف عند صاحبها، بل يمتد إلى آلاف أو ملايين المتلقين.

ومن غير المقبول أن تتحول الأزمات إلى مساحة للمنافسة على السبق أو جذب المتابعين أو استعراض التحليلات الشخصية على حساب  سلامة الوطن والمجتمع.

إن الثقة بالجهات المختصة ليست ثقة عمياء، وإنما هي احترام للاختصاص والخبرة والمسؤولية المؤسسية، وإدراك لحقيقة أن إدارة المخاطر تتطلب معلومات دقيقة، وتنسيقاً بين جهات متعددة، ورؤية شاملة لا تتوفر بالضرورة للفرد مهما بلغت خبرته أو قدرته على التحليل.

وفي النهاية، فإن قوة المجتمعات لا تظهر فقط في قدرتها على مواجهة الأخطار، بل تظهر أيضاً في قدرتها على إدارة سلوكها ومعلوماتها ومواقفها أثناء تلك المواجهة. فالتماسك المجتمعي، والالتزام بالتوجيهات، وحماية المجال المعلوماتي من الشائعات والتضليل، كلها عناصر لا تقل أهمية عن الإجراءات الميدانية والاحترازية.

كاتب اقتصادي

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية