الأربعاء, 28 أكتوبر 2026|16 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية


د. بكر عبداللطيف الهبوب

لم تعد المخاطر الجيوسياسية ملفاً يُترك لإدارات العلاقات الحكومية أو الامتثال، بل أصبحت من أبرز تحديات القيادات القانونية في الشركات العالمية. فقد أظهر استطلاع الرابطة الأمريكية للمستشارين القانونيين للشركات «Association of Corporate Counsel – ACC» لعام 2026 تصدّرها اهتمامات المستشارين، في تجسيد لتحول الاضطرابات الدولية إلى عامل بنيوي يؤثر في الاستثمار والتجارة واستمرارية الأعمال.

لكن التحدي لا يكمن في إدراك الخطر بقدر ما يكمن في الاستعداد له. فقد كشف استطلاع منفصل للرابطة عن أن أكثر من ثلث المؤسسات لم تتخذ خطوات رسمية لمواجهته، فيما لم تحدّث قرابة نصفها نماذج عقودها القياسية. وتؤكد هذه الفجوة أن الوعي لا يصنع المرونة ما لم يتحول إلى قدرات عملية تختبر مواطن الضعف قبل وقوع الخسائر.

ويؤكد تقرير المخاطر العالمية لعام 2026  الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي «WEF» تصاعد المواجهة الجيوسياسية الاقتصادية، بما يعيد تشكيل التجارة وسلاسل التوريد والتحالفات التنظيمية. فقد يتعطل مشروع بسبب مورد واحد، أو تتآكل جدواه بارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والتمويل، أو تتوقف عمليات حيوية بفعل عقوبات مفاجئة وقيود على نقل التقنية.

وتتضاعف أهمية ذلك في الخليج العربي، حيث تتقاطع أسواق الطاقة والملاحة والاستثمار والخدمات اللوجستية مع التحولات الدولية. فالاضطرابات البحرية أو تقلبات الطاقة قد تمتد آثارها إلى السيولة والالتزامات التعاقدية والاستثمار. وفي المقابل، تتيح برامج التنويع الاقتصادي وتوسع الاستثمارات في التقنية والطاقة والخدمات المالية فرصة لتعزيز موقع المنطقة، شريطة مواكبتها بقدرات تستوعب العقوبات وقيود التصدير وحماية البيانات وتعدد الأنظمة القضائية.

من هنا تبرز الحاجة إلى «اختبار المرونة القانونية» «Legal Resilience Test»، بقيادة الإدارة القانونية وبالتكامل مع إدارات المخاطر والمالية والتشغيل والتقنية. وهو تمرين دوري يقيس قدرة الشركة على مواصلة أعمالها والوفاء بالتزاماتها في سيناريوهات جيوسياسية شديدة لكنها واقعية. ويبدأ بربط السيناريوهات بالتعرضات القانونية والتشغيلية والمالية، وتحديد حدود التأثر المقبولة، وبناء بدائل قابلة للتفعيل. فالمعيار ليس جودة السياسات المكتوبة، بل قابليتها للتنفيذ وسرعة الاستجابة ووضوح الصلاحيات.

ويشمل الاختبار العقود وسلاسل التوريد والتأمين. فقد يكشف تعطل ممر ملاحي عن أن الميناء البديل متاح تشغيلياً، لكن استخدامه يتعذر بسبب قيود تأمينية أو تراخيص عبور. كما تستلزم المراجعة فحص بنود القوة القاهرة والإنهاء والتعويض، ومقارنة الالتزامات التعاقدية بالتغطية التأمينية؛ فبعض الوثائق تستثني مخاطر الحرب أو المصادرة أو هجمات سيبرانية معينة. وينبغي كذلك مراجعة شروط الإخطار والإلغاء والضمانات وخطابات الاعتماد، تحسباً لتحول التعطل إلى أزمة سيولة.

ولا تكتمل المرونة دون حماية الموظفين والأصول التقنية والمعنوية. إذ يجب اختبار خطط الإجلاء والاتصال الآمن واستمرارية الرواتب والخدمات، والاستعداد للهجمات السيبرانية التي قد تستهدف الطاقة والتمويل والاتصالات وسلاسل الإمداد.

وقد تثير الهجمات المرتبطة بجهات مدعومة من دول نزاعات حول استثناءات الحرب في التأمين، بالتزامن مع توقف الخدمات. لذلك يلزم تحديد مسؤوليات الاستجابة وحفظ الأدلة ومتطلبات الإخطار والإفصاح للجهات الرقابية والعملاء والمستثمرين وفق الأنظمة المنطبقة. كما ينبغي وضع بدائل لفقدان تراخيص البرامج والخدمات السحابية، وضمان استمرارية الدعم ونقل البيانات.

وتحتاج الملكية الفكرية إلى خريطة تحدد الأصول الحرجة ومواقع تسجيلها واعتمادياتها التراخيصية وبدائلها، تحسباً لقيود التصدير أو تجميد الأصول. كذلك يجب ألا يؤدي الانتقال العاجل إلى موردين بديلين إلى إهمال مخاطر حقوق الإنسان والبيئة والفساد.

ويتحمل مجلس الإدارة مسؤولية الإشراف على جاهزية قابلة للقياس، لا مجرد اعتماد السياسات. فالتغاضي عن تحذيرات جوهرية قد يثير تساؤلات حول الوفاء بواجب العناية. لذا ينبغي إسناد كل فجوة إلى مسؤول محدد وموعد للمعالجة، ورفع تقارير دورية إلى لجنة المخاطر أو التدقيق، وتوثيق قرارات قبول المخاطر أو تخفيفها، ومراجعة تغطية مسؤولية المديرين.

ولكي يحقق الاختبار غايته، يجب ألا يتحول إلى بيروقراطية تستنزف الموارد؛ بل يركز على السيناريوهات الأشد أثراً، ويربط الجاهزية بحماية الإيرادات وتقليل الخسائر. كما تعزز التمارين المشتركة مع الجهات التنظيمية والموانئ والطاقة والمصارف والتأمين الإنذار المبكر والمرونة على مستوى المنظومة الاقتصادية.

لقد تجاوز دور الإدارة القانونية معالجة النزاعات بعد وقوعها إلى استشراف التحولات واختبار آثارها وتهيئة البدائل. وفي الخليج، حيث تتقاطع الطاقة والملاحة والتمويل والتحول الرقمي، يمكن أن تتحول الجاهزية القانونية من وسيلة لحماية الأعمال إلى ميزة تنافسية تجذب الاستثمار وتعزز الثقة والاستدامة.

مستشار قانوني

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية