الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 16 أبريل 2026 | 28 شَوَّال 1447
Logo

المرونة الاقتصادية .. هل تنقذ العالم من كبوته الحالية؟

دانية أركوبي
الخميس 16 أبريل 2026 13:26 |3 دقائق قراءة


دانية أركوبي

لم تعد المرونة مجرد مصطلح يطلق في قاعات التدريس أو الندوات، وإنما حقيقة عاشها الاقتصاد في سنواته الأخيرة وبفضلها تجاوز صدمات، وحقق نجاحات في بيئة معقدة وشديدة الاضطراب على مستويات متنوعة سواء جيوسياسياً أو اقتصادياً أو تجارياً. هذه المرونة هي نتاج لعولمة وتكامل اقتصادي بدأ منذ عقود، فضعف اقتصادي في سوق تعوضه طفرة استهلاك في سوق أخرى، وسياسة نقدية متشددة في اقتصاد متقدم، تمتصه وفرة مالية في أخرى صاعدة، وجائحة توقف الاقتصاد، حلها في إنفاق حكومي يضخ الدماء لاستعادة الانتعاشة وتجاوز الكبوة.

وتقف المرونة اليوم في موقف شديد الصعوبة، فالأزمات ليس فردية، وإنما مركبة، والأخطر أنها في فترات الذروة. من الحرب في الشرق الأوسط التي تتوسع وتعطل إمدادات الطاقة الرئيسية مثل النفط الخام والغاز الطبيعي المسال. وصولاً إلى اضطرابات التجارة وفرض الرسوم الجمركية، وحتى الوصول لاستخدام سلع حيوية كأوراق ضغط جيوسياسية.

بجانب تعطيل الممرات المائية الإستراتيجية، ما يضاعف تكاليف الشحن ويؤثر في التضخم. كل هذه الأزمات تأتي في وقت يعاني الاقتصاد من هشاشة واضحة في الاستهلاك والإنتاج، وإرهاق في ميزانيات الدول المتخمة بالديون، ما يكبل يد الحكومات وقدرتها على التدخل.

جدوى المرونة تم إثباتها أخيراً ، بداية من انتشار وباء كورونا الذي ظن كثير أن الخروج منها سيحتاج لسنوات طويلة لاستعادة الاقتصاد عافيته، ولكن المرونة والتكيف كانت لهما كلمة السر وما جاء بعد ذلك فاق التوقعات. بعد أقل من عامين تم تجاوز الصدمة وعاد الاقتصاد إلى النمو، بفضل الإنفاق الحكومي الضخم المقدم لدعم المستهلكين والقطاعات الحيوية، وطفرة التكنولوجيا، فالإغلاق أدى إلى توسع وانتشار هائل للبدائل الرقمية، مثل العمل عن بعد وخدمات التوصيل والتقنية المالية.  

لم يمر الكثير حتى اندلعت الأزمة الروسية الأوكرانية، التي عصفت بأسعار الطاقة والغذاء وضغطت على التضخم ودخلت كثير من الاقتصادات وبخاصة في أوروبا في مرحلة انكماش. ولكن المرونة والتكامل كان لهما دور قوي في تعزيز صمود الاقتصاد.

فانكماش الاقتصادات المتقدمة عوضه نمو الصين والدول المصدرة للنفط، والتأثير في معدلات الإنتاج بسبب ارتفاع تكاليف المدخلات الأساسية مثل الغاز والنفط امتصته تدفقات السلع من الأسواق الآسيوية. وارتفاع تكلفة الاقتراض في أسواق الولايات المتحدة وأوروبا وازنته سياسات التسيير الكمي في اليابان.

الوضع المعقد الحالي والذي في حاله استمراره لن تتمكن المرونة من معالجته يستلزم إجراءات جماعية من المجتمع الدولي. تركز  في الأساس على إعادة التكامل في مجالات التجارة، وتدفقات رؤوس الأموال، والوصول إلى تفاهمات مشتركة لتجنب الرسوم الجمركية، يكون هدفها محاربة الإغراق وتصدير فائض القدرات الإنتاجية. إضافة إلى تفعيل الاتفاقيات الدولية التي تنظم حرية الملاحة في الممرات التجارية الحيوية وبخاصة في مناطق النزاعات، بما يجنب المستهلك والمنتج صدمة في تكاليف الشحن وأسعار السلع وأثر طويل الأجل في التضخم.

تنسيق وتكييف السياسات من الاقتصادات المتقدمة والناشئة له دور مهم في دعم مرونة وقدرات الاقتصاد، وذلك يشمل جوانب مثل آليات توجيه الدعم وأولويات وكفاءة الإنفاق، بجانب التنسيق بين السياسات المالية والنقدية لتجنب فاتورة تضخمية صعبة، وتحقيق انتعاش محسوب في الاستهلاك والإنتاج، يجنب الاقتصاد الدخول في انكماش سيكون الخروج منه أكثر تكلفة.

في الختام فقد عانى العالم من تصدعات قوية في بنيته أخيراً، ولكنه كان لديه القدرة والمرونة على تخطيها واستعادة زخم النمو من جديد. ولكنه اليوم يقف في موقف أكثر تعقيداً في ظل بيئة أكثر اضطراباً سواء جيوسياسياً أو اقتصادياً وتبعيات كارثية على القدرات المالية للمستهلك والمنتج والحكومات.

ويحتاج العالم ممثلًا في قيادته التقاط أنفاسهم وبناء حزمة سياسات وإجراءات رشيدة تعيد ترتيب الأوراق وتنظم العلاقات وتعطي الأولوية لمبدأ التكامل، بما يضمن تحقيق المصالح المشتركة، ويجنب الاقتصاد تبعات أكثر صعوبة معالجتها ستكون بتكلفة باهظة.

مستشارة اقتصادية

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية