د. بكر عبداللطيف الهبوب
تتحول الخبرة المؤسسية، حين تُوثَّق وتُنظَّم وتُختبر في الواقع، إلى أحد الأصول الوطنية الأكثر قدرةً على تجاوز الحدود. والسعودية راكمت خلال مسيرة رؤية 2030 تجارب واسعة في الحوكمة والتحول الرقمي ورفع كفاءة الإنفاق وإدارة المشاريع والخدمات العامة؛ تجارب لم تُصنع في قاعات التنظير، بل في ميدان التنفيذ، عبر قرارات جريئة واختبارات متتابعة وتصحيح مستمر للمسار. واليوم، لم تعد هذه الخبرات شأناً محلياً فحسب، بل رصيداً معرفياً يمكن تحويله إلى نموذج سعودي يُنقل ويُطوَّر ويُصدَّر.
وفي الأدبيات الدولية، يظهر هذا المسار تحت مسميات مثل «تصدير السياسات»، و«التوأمة المؤسسية»، و«الدبلوماسية التنظيمية». وهي، في جوهرها، أوجهٌ لما يمكن تسميته محلياً «تصدير الحوكمة والخبرة المؤسسية». لم تكن التجارب السعودية وصفة جاهزة؛ فخلف كل منصة رقمية أو تشريع جديد أو مشروع وطني واسع أسئلة صعبة ومحاولات لم تبلغ غايتها من المرة الأولى. وهذه التفاصيل تمنح النموذج قيمته، لأن الدول لا تبحث عن واجهة أنيقة، بل عن خريطة طريق صادقة تظهر المنعطفات كما تظهر المحطات.
فبعض الدول تبيع بالفعل أجزاء من هذه الخريطة عبر برامج لتدريب القيادات، وشهادات اعتماد، وتراخيص لمنهجيات إدارية، وخدمات تقييم مؤسسي بعقود واضحة. ويمكن تصور ذلك في منصات مثل «أبشر» و«اعتماد». فقيمتها ليست في البرمجية وحدها، بل في منظومة الهوية الرقمية، وإجراءات العمل، والضوابط، ومؤشرات الأداء، والرقابة. وحين تتحول هذه العناصر إلى حزمة معرفية متكاملة، يصبح ممكناً تكييفها لدولة تريد بوابة خدمات موحدة أو إدارة مالية أكثر كفاءة. وينطبق ذلك على المراكز التي تمنح شهادات الاعتماد الفنية والمهنية؛ فهي ليست وثيقة فقط، بل منظومة جودة موثوقة قابلة للتقديم دولياً.
تصدير الحوكمة، إذاً، ليس نشاطاً استشارياً عابراً، بل صناعة معرفية منظمة. جوهرها تحويل الخبرة إلى منتجات محددة: تدريب القيادات، وتقييم نضج الجهات الحكومية، والتوأمة المؤسسية، وترخيص نماذج التشغيل، أو إدارة خدمات بعقود واضحة. وقد يكون العائد مالياً، لكنه قد يتمثل أيضاً في بناء الثقة وفتح الأسواق للشركات الوطنية وترسيخ الحضور في دوائر التشريع والمعايير.
وهنا يفترق المسار عن الاستشارات التجارية؛ فالدبلوماسية المعرفية تقاس كذلك بمدى تبني الحكومات للمنهج، وبعدد النماذج الموثقة والدول المستفيدة والخبراء السعوديين المشاركين في المشاريع الدولية.
وتدل تجارب سنغافورة وفنلندا وكوريا الجنوبية على أن تصدير النموذج الإداري يبدأ بعلامة موثوقة وشراكات طويلة، قبل أن يفتح أبواباً أوسع للتقنية والتشغيل والاستثمار. والسعودية تملك مادة ثرية في الحكومة الرقمية وبيئة الأعمال وإدارة المواسم الكبرى. كما تقدم إدارة الحج والعمرة، ومنظومة «طريق مكة»، والهوية الرقمية وتشغيل الخدمات الحكومية خبرات عملية في إدارة التدفقات البشرية وربط المنصات الرقمية بالخدمات الميدانية وتنسيق أدوار جهات متعددة.
لكن المادة الخام لا تكفي ما لم تُعبأ في نماذج قابلة للتكرار، ولهذا تبرز الحاجة إلى أرشيفٍ إداريٍّ وطنيٍّ يوثق النجاح والفشل معاً. فالفشل ليس وصمة، بل أصل معرفي؛ ولا يكفي أن نعرف ما الذي نجح، بل لماذا تعثرت خيارات أخرى وكيف عولجت مقاومة التغيير. وحماية سرية المعلومات ضرورة، لكنها لا ينبغي أن تعني ضياع الدروس المستفادة.
من المناسب أن تبدأ النواة المقترحة داخل معهد الإدارة العامة، ثم تتطور، متى ثبت الطلب والجدوى، إلى «المركز الوطني للحوكمة الحكومية». ويعمل المركز بوصفه «مصنعاً للنماذج» يستقبل التجربة الحكومية ويحوّلها إلى حزم متكاملة تضم التشريع، وإجراءات العمل، ومؤشرات الأداء، وأدلة الحوكمة، والمواد التدريبية، مع حماية ملكيتها الفكرية وضمان جودتها. ثم تتولى الشركات الوطنية تسويق هذه النماذج وتنفيذها خارج السعودية.
وبهذا يصبح تصدير الحوكمة أداةَ قوةٍ ناعمةٍ سعوديةٍ، تعزز الحضور الوطني وتفتح آفاقاً للشراكات والأسواق، فلا تُذكر السعودية بما بنته على أرضها فحسب، بل بما تسهم في بنائه من مؤسسات خارج حدودها.
مستشار قانوني
