أحمد الشهري
لقد تجاوز مفهوم المحتوى المحلي في الأدبيات الاقتصادية السعودية الحديثة من كونه مجرد مبادرة لدعم المنشآت الوطنية، ليصبح إستراتيجية تصحيحية للهيكل الاقتصادي الكلي، ومن خلال حوارنا المعمق مع معالي وزير الصناعة والثروة المعدنية رئيس مجلس إدارة هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية، يتضح أننا أمام هندسة مالية وصناعية تهدف إلى معالجة اختلالات تاريخية في ميزان المدفوعات وتدفقات رأس المال.
في النماذج الاقتصادية التقليدية للدول المعتمدة على الموارد يمثل التسرب المالي عبر الواردات السلعية والخدمية عائقاً أمام تراكم رأس المال المحلي، إن الرؤية التي تقودها هيئة المحتوى المحلي تعمل على تقليص هذا التسرب عبر إعادة توجيه القوة الشرائية الحكومية نحو الاقتصاد الداخلي.
نحن نتحدث عن رافعة للقيمة في المضاعف الكنزي حيث يتحول كل ريال من الإنفاق الحكومي إلى سلسلة من القيمة المضافة المتولدة محلياً، ما يؤدي إلى نمو داخلي لا يعتمد على تقلبات أسعار الطاقة.
السعودية تتحول من اقتصادية يعتمد على الميزة النسبية بسبب وفرة المواردة إلى اقتصاد تنافسي قائم على العمق الصناعي والتشابك الصناعي، سياسات المحتوى المحلي التي يشرف عليها الوزير لا تهدف إلى الحماية بقدر ما تهدف إلى التمكين عبر إلزام الشركات على الارتقاء بمعايير الجودة والتقنية لتلبية متطلبات القوائم الالزامية، مما يقلص الفجوة الإنتاجية بين المنتج المحلي والمنتج العالمي.
يعاني القطاع الخاص في مراحل التحول من قصور المعلومات أو ضعف في سلاسل الإمداد، هنا تؤدي هيئة المحتوى المحلي "صانع السوق" عبر اتفاقيات التوطين ونقل المعرفة، حيث تقوم المنظومة بتقليل مخاطر الاستثمار للقطاع الخاص، ما يحفز الاستثمار الأجنبي المباشر للبحث عن شراكات محلية حقيقية، وليس مجرد وكالات تجارية، هذا هو الجوهر الحقيقي للتحول الاقتصادي العميق.
إن الصلابة التي لمستها في حديث الوزير تنبع من إدراك عميق بأن المحتوى المحلي هو خط الدفاع الأول للأمن الاقتصادي، في ظل تفتت سلاسل الإمداد العالمية، ويصبح امتلاك قاعدة صناعية محلية (محتوى محلي عالي) هو الضامن الوحيد للاستدامة، نحن لا نبني مصانع فحسب، بل نبني مرونة هيكلية Structural Resilience تجعل الاقتصاد السعودي عصياً على التقلبات الخارجية.
ولعل وصول نسبة المحتوى المحلي في المشتريات الحكومي إلى 51.5% وفق بيانات 2025 ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو مؤشر على نجاح السعودية في استبقاء ما يقارب نصف الإنفاق الحكومي في الدورة الاقتصادية المحلية.
الخلاصة: إن ما يقوده وزير الصناعة وبتوجيهات من الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء هو انتقال جذري من اقتصاد التوزيع إلى اقتصاد القيمة، إن المحتوى المحلي هو العصب الحيوي الذي يربط رؤية 2030 بالواقع الإنتاجي، وهو المقياس الحقيقي لمدى نجاح التحول الهيكلي الذي نعيشه، والاستثمار في المحتوى المحلي ليس كلفة إضافية بل هو تأمين سيادي لمستقبل الأجيال المقبلة.
اقتصادي في السياسات الاقتصادية وإدارة إستراتيجيات الأعمال والشراكات الإستراتيجية
